خصصت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة اليوم للحديث عن «ولقد كرمنا بني آدم»، لتوعية المصلين بأهمية الحفاظ على الأوطان وصيانة أمنها واستقرارها، وبيان أن من مقتضيات التكريم الإلهي للإنسان حماية وطنه والحفاظ على مقدراته، إلى جانب التأكيد على ضرورة التصدي للشائعات وعدم الانسياق وراء الأخبار المغلوطة التي قد تؤدي إلى إثارة الفتن والإضرار بالمجتمع.
وتتناول الخطبة مكانة الإنسان في الإسلام، وما منحه الله تعالى له من تكريم، موضحة أن حب الوطن والانتماء إليه من القيم الإنسانية الأصيلة التي تستوجب من كل فرد تحمل مسؤوليته تجاه بلده، والعمل على حماية أمنه واستقراره، واحترام حقوق المواطنين، والمشاركة الإيجابية في بناء المجتمع.
نص خطبة الجمعة اليوم عن «ولقد كرمنا بني آدم»
الحمد لله الذي كرم بني آدم وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل حفظ الكرامة الإنسانية أصلا جامعا لكل الرسالات، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أصفى الناس نفسا وأعظمهم خلقا وتوقيرا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد:
أولا: حب الوطن فطرة إنسانية ومسؤولية تجاه المجتمع
اعلم أيها المكرم أن حب الوطن فطرة سليمة، وغريزة إنسانية أصيلة، أودعها الله في النفوس، وجعلها من دواعي الألفة والاجتماع، فالوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هو موطن الذكريات، ومهد الآباء، ومأوى الأبناء، وفي رحابه تتشكل ملامح حياتنا، وتصان كرامتنا، وتستقر نفوسنا؛ ومن هنا كان حب الوطن متصلا بمعنى أعمق وأجل، هو تكريم الإنسان الذي جعله الله تعالى محور العمران وموضع التكليف والأمانة، فقال سبحانه: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾.
فهذا تكريم رباني أصيل، قرره الخالق سبحانه وتعالى للإنسان منذ أن خلقه، ومن مقتضى هذا التكريم أن يحفظ الإنسان وطنه، ويصون مقدراته، ويحترم حقوق أبنائه، وأن يجعل من حب وطنه عملا نافعا، ومن انتمائه إليه مسؤولية، ومن محافظته على أمنه واستقراره وفاء لنعمة الله عليه؛ فحين يعرف الإنسان قدره عند ربه، يعرف كذلك قدر الأرض التي احتضنته.
ثانيا: مكانة مصر وفضلها وواجب الحفاظ على أمنها واستقرارها
اعلم أنك تعيش في وطن شرفه الله تعالى بذكره في كتابه العزيز، وخصه بمكانة ظاهرة في آياته، فقال سبحانه على لسان سيدنا يوسف عليه السلام: ﴿ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾، وخاطب كليمه موسى عليه السلام على هذه الأرض الطيبة المباركة، فقال جل شأنه: ﴿إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾.
فهذه أرض شهد لها القرآن العظيم بذكر كريم، وعرفها التاريخ موطنا للحضارة والعلم والعمران، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بمصر وأهلها، فقال: «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا».
فاستشعر قدر وطنك، واحفظ نعمته، وأد حقه عليك بالعمل والإتقان، وصيانة أمنه واستقراره، وحفظ وحدته، فإن الأوطان لا يحفظها إلا أبناؤها، ولا تصان نعمتها إلا بالوفاء والمسؤولية.
ثالثا: استقرار الأوطان من مقاصد الشريعة الإسلامية
تيقن أنك حين تحافظ على وطنك، وتصون أمنه، وتحفظ استقراره، وتدفع عنه أسباب الفتن والاضطراب، فإنك بذلك تكون قد حققت مقصدا عظيما من مقاصد الشرع الشريف؛ فالشريعة جاءت لحفظ الضروريات التي لا تستقيم حياة الناس إلا بها، من دين ونفس وعقل ونسل ومال.
ولا يمكن أن تصان هذه الضروريات وتحفظ مصالح الناس في وطن مضطرب، أو مجتمع تسوده الفوضى، أو بلد تنتهك فيه الحقوق وتستباح فيه الحرمات؛ فاستقرار الأوطان من أعظم أسباب استقامة حياة الناس، وأمنها سياج تحفظ في ظلاله الأنفس والأموال والأعراض، وتقام فيه الشعائر، وتطلب فيه العلوم، ويعمل الناس، ويربي الآباء أبناءهم، ويؤدي كل إنسان ما عليه من حقوق وواجبات، مستلهما ذلك من الدعاء الخالد لسيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿رب اجعل هذا البلد آمنا﴾.
رابعا: خطورة الشائعات وضرورة التثبت من الأخبار قبل تداولها
أيها المكرم، لا تكن معول هدم في وطنك بترديد الشائعات، ولا تكن لسانا يشعل الفتنة، أو جسرا تعبر عليه الأكاذيب إلى عقول الناس وقلوبهم؛ فإن الكلمة أمانة، وليس كل ما يسمع يقال، وما كل ما يتداول يصدق، وقد علمنا القرآن الكريم أن نتثبت قبل أن نتكلم، فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾.
وقال جل وعلا: ﴿إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم﴾.
فاحذر أن تجعل من هاتفك منبرا لنشر ما لا تعلم حقيقته، أو من مجلسك ساحة لترويج ما يزعزع ثقة الناس في وطنهم ومؤسساته، وحسبك في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع».
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وبعد: فيا عباد الله:
خامسا: الوعي والعمل أساس تجاوز التحديات وبناء المستقبل
أيها المكرم، إن فهم التحديات التي يمر بها مجتمعنا، وإدراك أسبابها وآثارها، والتعامل معها بعقل رشيد ونظر سديد، هو حجر الزاوية في بناء مستقبل أفضل؛ فالأمم لا تتجاوز أزماتها بالصخب والشائعات، ولا تعالج مشكلاتها بالتشاؤم وإلقاء اللوم، وإنما تتجاوزها بالوعي، والعلم، والعمل، وحسن التقدير، والتعاون على ما فيه خير البلاد والعباد.
فكونوا على قدر المسؤولية، واجعلوا عقولكم جسورا إلى الحلول لا أبوابا للأزمات، ولتكن نظرتكم إلى مستقبل وطنكم قائمة على الأمل والعمل، لا على اليأس والتشكيك، فإن المستقبل لا يمنح للأمم، وإنما تصنعه العقول الواعية والسواعد المخلصة، قال جل شأنه: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾.
سادسا: الحفاظ على الوطن أمانة ومسؤولية مشتركة
إن وطنك أمانة في عنقك، ونعمة تستوجب الشكر، ومسؤولية تقتضي العمل، وإن أعظم الوفاء له أن تكون لبنة بناء، وأن تحفظ أمنه، وتصون مقدراته، وتحترم مؤسساته، وتحسن الظن، وتتثبت من الأخبار، فانظر إلى نفسك وأنت تمثل حلقة من حلقات مجد هذا الوطن إن أنت تحملت مسؤوليتك تجاهه، فكنت امتدادا لأهل الفضل والمجد ممن سبقك، لتسلم الراية لمن بعدك لمن يستحق أن يكون في شرف رفعة هذا الوطن.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾.
ألا فليبدأ كل واحد منا بنفسه، وليؤد أمانته، وليتقن عمله، وليحفظ وطنه، ولتتكاتف الأيدي والقلوب والعقول؛ حتى تبقى مصرنا وطنا آمنا عزيزا، شامخا بأبنائه، محفوظا بوحدته، ماضيا بعزمه نحو مستقبل يليق بتاريخه ومكانته.