بسبب مذاقه الحلو واحتوائه على السكريات الطبيعية، يتجنب بعض الأشخاص البلح الأسمر، خاصة مرضى السكري ومقاومة الإنسولين والراغبين في إنقاص الوزن، اعتقادًا بأنه طعام ممنوع في هذه الحالات. لكن الحقيقة أن قيمته الغذائية لا تقتصر على السكريات، فهو يحتوي على الألياف والمعادن ومركبات نباتية مضادة للأكسدة، بينما يتوقف تأثيره في الوزن ومستويات سكر الدم على الكمية المتناولة وطبيعة النظام الغذائي والحالة الصحية لكل شخص.
ويوضح الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، أبرز الفوائد الغذائية للبلح الأسمر، والفرق بينه وبين التمر المجفف، وكيفية تناوله باعتدال ضمن نظام غذائي متوازن.
أصناف البلح
يشير أبو الريش إلى انتشار زراعة البلح في عدد من محافظات الوجه البحري، ومنها البحيرة، التي تضم مدينة رشيد المعروفة بكثرة أشجار النخيل، إلى جانب إدكو ودمياط والشرقية والجيزة.
ومن أشهر أصناف البلح الأسمر المتداولة في الأسواق صنف الحياني، الذي يتميز بانتشاره الواسع، وصنف بنت عيشة، الذي يتميز بصغر حجم ثماره، فضلًا عن صنف الأمهات المعروف في بعض مناطق الجيزة.
ويوضح أن البلح الطازج يحتوي على نسبة من الماء أعلى من التمر المجفف، ولذلك تكون السكريات فيه أقل تركيزًا عند المقارنة بالوزن نفسه، بينما يزداد تركيز السكريات مع فقدان الماء خلال التجفيف، وهو ما يفسر المذاق الأكثر حلاوة في كثير من أنواع التمر المجفف.
مضادات الأكسدة
ويضيف أخصائي التغذية العلاجية أن البلح يحتوي على مجموعة من المركبات النباتية التي تؤدي أدوارًا مهمة في الجسم، من بينها الكاروتينات والبوليفينولات والفلافونويدات، وهي مركبات ترتبط بخصائص مضادة للأكسدة.
وتساعد هذه المركبات على الحد من تأثير الجذور الحرة التي قد تلحق الضرر بالخلايا، كما تشير دراسات معملية وبحثية إلى امتلاك بعض مكونات البلح خصائص مضادة للالتهاب.
وتدعم هذه الخصائص أهمية تناول الأغذية النباتية المتنوعة، لكن وجود مضادات الأكسدة في البلح لا يعني أنه يمنع الإصابة بالسرطان أو يعالج الالتهابات بمفرده، كما أن الاستفادة منه تأتي ضمن نمط غذائي صحي متكامل.
علاج الإمساك
ومن الفوائد الغذائية المهمة للبلح احتواؤه على الألياف التي تساعد على تحسين حركة الأمعاء، إلى جانب السوربيتول، وهو نوع من السكريات الكحولية التي قد يكون لها تأثير ملين عند وصولها إلى الأمعاء.
ويساعد السوربيتول على جذب الماء إلى الأمعاء، ما قد يسهم في تليين البراز وتسهيل إخراجه، ولذلك يمكن أن يكون البلح جزءًا من النظام الغذائي الداعم لصحة الجهاز الهضمي.
وتشير بعض الدراسات إلى فوائد تناول التمر في تحسين بعض مؤشرات حركة الأمعاء، لكن لا يصح الجزم بأن تناول سبع حبات يوميًا لمدة 21 يومًا يعالج الإمساك لدى الجميع؛ إذ تختلف الاستجابة بحسب كمية الألياف والسوائل المتناولة والحالة الصحية لكل شخص.
فوائد الحمل
ويلفت أبو الريش إلى أن بعض الدراسات بحثت تأثير تناول التمر خلال الأسابيع الأخيرة من الحمل، وأظهرت نتائج مشجعة بشأن بعض مؤشرات المخاض، مثل اتساع عنق الرحم عند الوصول إلى الولادة، واحتمال انخفاض الحاجة إلى بعض التدخلات لتحفيز المخاض في بعض الدراسات.
ويستحضر هذا الجانب الآية الكريمة: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾، التي وردت في سورة مريم.
ومع ذلك، فإن نتائج الدراسات المتعلقة بتناول التمر في أواخر الحمل لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث، ولا يُعد تناوله وسيلة مضمونة لبدء المخاض أو بديلًا عن المتابعة الطبية، خاصة لدى الحوامل المصابات بسكري الحمل أو اللواتي يحتجن إلى ضبط دقيق لمستويات السكر.
ضغط الدم
ويحتوي البلح على البوتاسيوم والمغنيسيوم، وهما معدنان يشاركان في وظائف العضلات والأعصاب، ويسهمان في الحفاظ على التوازن الطبيعي لوظائف القلب والأوعية الدموية.
ويلعب البوتاسيوم دورًا مهمًا في تنظيم ضغط الدم، بينما يشارك المغنيسيوم في العديد من العمليات الحيوية داخل الجسم.
لذلك، يمكن أن يسهم إدراج البلح ضمن نظام غذائي متوازن في توفير جزء من احتياجات الجسم من هذه المعادن، لكنه لا يغني عن علاج ارتفاع ضغط الدم أو الالتزام بتعليمات الطبيب.
مرضى السكري
وعن موقف مرضى السكري ومقاومة الإنسولين من تناول البلح، يوضح أبو الريش أن الحكم على الطعام لا يعتمد على مذاقه الحلو وحده، وإنما يتطلب النظر إلى محتواه من الكربوهيدرات، وحجم الحصة، وطريقة تناوله، واستجابة الجسم له.
ويُشار أحيانًا إلى أن بعض أنواع التمر تتمتع بمؤشر جلايسيمي منخفض أو متوسط، لكن هذا المؤشر يختلف باختلاف الصنف ودرجة النضج، كما أن انخفاضه لا يعني أن تناول التمر لن يرفع سكر الدم.
فحتى إذا كان الطعام لا يؤدي إلى ارتفاع سريع في السكر لدى بعض الأشخاص، فإن كمية الكربوهيدرات الإجمالية تظل عاملًا مهمًا في تحديد الاستجابة بعد تناوله.
ويضرب أبو الريش مثالًا لتوضيح دور مقاومة الإنسولين، فيقول إن الأمر يشبه صنبورًا تتدفق منه المياه إلى حوض، بينما توجد فتحة لتصريفها؛ فإذا تعطلت عملية التصريف، تتراكم المياه. وبالمثل، فإن المشكلة لدى المصابين بمقاومة الإنسولين ترتبط بضعف استجابة الخلايا للإنسولين واضطراب تنظيم سكر الدم، وليس بنوع واحد من الأطعمة وحده.
لكن هذا التشبيه لا يعني أن السكريات لا تؤثر في مستويات السكر؛ إذ إن تناول كميات كبيرة من البلح أو غيره من الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات قد يؤدي إلى ارتفاع سكر الدم، حتى لدى الأشخاص الذين يتبعون نظامًا غذائيًا صحيًا.
الكمية المناسبة
ويؤكد أخصائي التغذية العلاجية أن الاعتدال هو الأساس عند تناول البلح، سواء للراغبين في إنقاص الوزن أو المصابين بالسكري.
فبالنسبة إلى الراغبين في خفض الوزن، يمكن إدراجه ضمن النظام الغذائي بدلًا من الحلويات الأخرى، مع مراعاة إجمالي السعرات الحرارية وحجم الحصة، لأن السكريات الطبيعية الموجودة فيه لا تعني خلوه من السعرات.
أما مرضى السكري، فينبغي أن يحددوا الكمية المناسبة وفقًا لاحتياجاتهم من الكربوهيدرات وخطة العلاج وقراءات سكر الدم، بالتنسيق مع الطبيب أو أخصائي التغذية. وقد تكون حبة أو حبتان ضمن وجبة متوازنة خيارًا مناسبًا لبعض الأشخاص، بينما تختلف الاحتياجات من حالة إلى أخرى.
ويمكن أن يساعد تناول البلح ضمن وجبة تحتوي على البروتين والألياف والدهون الصحية على إبطاء إفراغ المعدة، وقد يؤثر في استجابة سكر الدم، لكن ذلك لا يمنع ارتفاعه بالضرورة، ولا يلغي أهمية حساب كمية الكربوهيدرات.