أكتوبر.. حين تصنع الإرادة ما يبدو مستحيلًا

أكتوبر.. حين تصنع الإرادة ما يبدو مستحيلًاد. علي الدكروري

الرأى4-10-2026 | 09:50

بعد أكثر من نصف قرن على حرب أكتوبر 1973، لا تزال تلك اللحظة حاضرة في الذاكرة المصرية، ليس فقط باعتبارها انتصارًا عسكريًا، وإنما باعتبارها درسًا في قدرة الدولة والمجتمع على تغيير الواقع عندما تتجمع الإرادة والتخطيط والعلم والعمل حول هدف واضح.

في السادس من أكتوبر 1973 عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس، واقتحمت خط بارليف، وأقامت رؤوس الكباري على الضفة الشرقية للقناة، في عملية عسكرية سبقتها سنوات من الإعداد والتدريب والتخطيط.

لكنني أعتقد أن أهم ما يمكن أن تفعله الأجيال الجديدة في ذكرى أكتوبر ليس فقط أن تتذكر ما حدث، بل أن تسأل:

كيف حدث؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه منه اليوم؟

الانتصار بدأ قبل يوم العبور

الأحداث الكبرى لا تبدأ في اللحظة التي يراها العالم.

يوم السادس من أكتوبر كان النتيجة الظاهرة لسنوات من العمل الذي لم يكن معظمه أمام الكاميرات.

كان هناك إعداد للقوات، وتدريب، وتطوير للخطط، ودراسة للعدو، وتجهيز للمعدات، وبناء لقدرات الدفاع الجوي، وتنسيق بين أفرع القوات المختلفة.

وهنا يوجد درس يتجاوز المجال العسكري:

النجاح الحقيقي يبدأ قبل لحظة النجاح نفسها.

وهذه قاعدة تنطبق على الدول كما تنطبق على الشركات والأفراد.

فالمصنع لا يصبح منافسًا يوم افتتاحه، وإنما بما سبق ذلك من دراسة وتكنولوجيا وتدريب.

و الاقتصاد لا يتحول بقرار واحد، بل بتراكم سياسات ومؤسسات وبنية أساسية وقدرات بشرية.

وفي عالم يبحث غالبًا عن النتائج السريعة، يذكرنا أكتوبر بأن النتيجة الكبيرة تحتاج إلى إعداد يوازي حجمها.

العلم كان جزءًا من القوة.

أحد الدروس المهمة أيضًا أن الإرادة وحدها، مهما كانت قوية، لا تكفي.

الإرادة تحتاج إلى علم.

فالتعامل مع قناة السويس والتحصينات والموانع العسكرية لم يكن ممكنًا بالشجاعة وحدها، بل احتاج إلى حلول هندسية وتخطيط دقيق وتنسيق عملياتي.

وهذا درس شديد الصلة بعالمنا اليوم.

لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بما تملكه من موارد طبيعية أو بعدد السكان أو المساحة الجغرافية.

ولهذا ربما نحتاج اليوم إلى استعادة عقلية العبور أكثر من استعادة تفاصيل المعركة.

أن نحدد المانع الذي يقف أمامنا.

أن نفهمه جيدًا.

أن نبحث عن حل غير تقليدي.

أن نبني الكفاءة اللازمة.

ثم نتحرك بثقة وانضباط.

قد يكون المانع اليوم فجوة تكنولوجية.

أو ضعفًا في الإنتاجية.

أو اعتمادًا زائدًا على الاستيراد.

أو فجوة بين التعليم وسوق العمل.

لكن المنطق واحد:

لا نكتفي بوصف المشكلة، بل نبني القدرة على عبورها.

القوة لا تتوقف عند الحرب

ومن الدروس التي لا ينبغي فصلها عن أكتوبر أن نتائج الحرب فتحت الطريق لاحقًا لمسار سياسي استعادت مصر من خلاله كامل سيناء.
وهنا يظهر وجه آخر للقوة.

القوة ليست في القدرة على خوض الحرب فقط، بل في القدرة على تحويل نتائجها إلى سلام يحفظ الأرض والمصلحة الوطنية ويتيح للدولة أن تتجه إلى البناء.

وهذا درس مهم في الاستراتيجية عمومًا.

الهدف ليس استخدام القوة في حد ذاته، بل امتلاك ما يكفي منها لحماية المصالح وتحقيق الأهداف.

أكتوبر ليس ذكرى للماضي فقط

في رأيي، قيمة المناسبة لا يجب أن تتوقف عند الاحتفال بما أنجزه جيل سابق.

أعظم تكريم لهذا الجيل هو أن نحافظ على المنهج الذي صنع إنجازه:

إعداد قبل التنفيذ.

علم إلى جانب الإرادة.

مؤسسات تعمل معًا.

هدف وطني واضح.

وثقة بأن الواقع يمكن تغييره.

القوة الحديثة تُبنى أيضًا في المعمل والجامعة ومركز البيانات والمصنع وعقل المهندس والباحث.

الدولة التي تستثمر في المعرفة لا تشتري تكنولوجيا فقط، بل تبني القدرة على صناعة حلولها عندما تحتاج إليها.

وهذا ربما يكون أحد أهم المعاني التي يمكن أن يحملها أكتوبر إلى الأجيال الجديدة:

أن العقل المصري عندما يحصل على الهدف والإمكانات والثقة يستطيع أن يصنع الحل.

وحدة الهدف تختصر المسافات

حرب أكتوبر لم تكن مواجهة عسكرية فقط، بل كانت أيضًا لحظة التف فيها المجتمع حول هدف وطني واضح.

وهذه النقطة تستحق التوقف أمامها.

المجتمعات قد تختلف في الآراء والمصالح والتوجهات، وهذا طبيعي.

لكن هناك أهدافًا كبرى تحتاج إلى قدر من الاتفاق يتجاوز الخلافات اليومية.

التعليم الجيد هدف مشترك.

زيادة الإنتاج هدف مشترك.

خلق فرص العمل هدف مشترك.

رفع قدرة الاقتصاد على المنافسة هدف مشترك.

وحماية الدولة ومصالحها هدف مشترك.

عندما يتفق المجتمع على الاتجاه، تصبح إدارة الاختلاف أسهل، وتتحول الطاقة من الجدل حول الهدف إلى العمل على تحقيقه.

بعد استرداد الأرض يبدأ بناء قيمتها

أكتوبر كان معركة لاسترداد الأرض، لكن الأرض تحقق كامل قيمتها عندما تُعمر وتُنتج.

وهنا أرى أن العلاقة بين التحرير والتنمية مهمة جدًا.

فالأرض ليست حدودًا على الخريطة فقط.

هي طريق ومزرعة ومصنع ومدينة وجامعة ومشروع سياحي وفرصة عمل.

ومن هنا يصبح البناء امتدادًا طبيعيًا للانتصار.

فالجيل الذي استعاد الأرض أدى مهمته، والجيل الذي يأتي بعده عليه أن يزيد قيمتها ويصنع عليها المستقبل.

لكل جيل معركته وعبوره

كل جيل له نوع مختلف من التحديات.

جيل أكتوبر واجه تحديًا عسكريًا واضحًا.

أما أجيال اليوم فتواجه عالمًا سريع التغير، تتنافس فيه الدول على الاستثمار والتكنولوجيا و الصناعة و الذكاء الاصطناعي والطاقة وسلاسل الإمداد والعقول.

فالأوطان لا تعيش على انتصارات الماضي وحدها، لكنها تحتاج إلى ذاكرتها حتى تعرف من أين تستمد قدرتها على صناعة انتصارات جديدة.

أكتوبر لم يكن مجرد عبور لقناة السويس، بل عبورًا من الاعتقاد بأن الواقع لا يمكن تغييره إلى اليقين بأن الإرادة عندما يساندها العلم والتخطيط تستطيع أن تغيره.

واليوم، ربما يكون أفضل ما نتعلمه من أكتوبر هو أن لكل جيل مانعه الخاص الذي عليه أن يعبره، وأن بناء الدولة يحتاج إلى الشجاعة نفسها التي يحتاجها الدفاع عنها.

تحية إلى رجال القوات المسلحة الذين صنعوا نصر أكتوبر، وإلى أرواح الشهداء الذين قدموا أغلى ما يملكون من أجل مصر، وإلى كل من شارك في صنع لحظة أعادت للأمة ثقتها في قدرتها على تحقيق المستحيل.

موضوع تسجيلي

أضف تعليق

معجزة النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان