قبل أن يولد المعهد، كانت الثقافة القبطية تبحث عن ذاتها (1-3)
بمناسبة مرور واحد وسبعون عاما على إنشاء معهد الدراسات القبطية بالقاهرة، وفى ذكرى اعتلاء قداسة البابا تواضروس الثانى كرسى القديس مرقس الرسول في شهر نوفمبر، من المناسب إلقاء الضوء على واحدة من اهم مؤسسات الكنيسة الثقافية التي حظيت بدعم وتشجيع قداسته، ففي النصف الأول من القرن العشرين، كانت مصر تقف على مفترق طرق: دولة حديثة تتشكل بعد سقوط الخلافة العثمانية، ووعي قومي يتبلور بعد ثورة 1919، وصراع داخلي بين الأصالة والمعاصرة، بين ما هو مصري وما هو وافد، بين ما هو ديني وما هو مدني، وفي قلب هذا المشهد، كانت الثقافة القبطية تهمس لا تصرخ، تحضر في الكنائس لا في الجامعات؛ تُتلى في الترانيم ولا تُدرّس في المناهج، لقد كان الفراغ المعرفي صارخًا، لا توجد مؤسسة علمية توثق التراث القبطي، ولا مركز أكاديمي يدرس اللغة القبطية، ولا منبر ثقافي يناقش الفن القبطي أو الموسيقى الكنسية أو المخطوطات النادرة، كانت الكنيسة القبطية، رغم عمقها الروحي، تفتقر إلى الذراع الثقافية التي تحفظ الذاكرة وتُعيد إنتاجها في سياق علمي حديث، كانت أوربا هي التي قطعت شوطا طويلا في التعرف على الثقافة القبطية ومحاولة الحصول على مخطوطات الاقباط، ودراسة تراثهم اللغوى والدينى والاثرى، فعكف الرحالة والقناصلة والتجار الاوربيين على استهداف هذا التراث والحصول عليه بكل وسيلة، فمنذ عصر النهضة ونشوء ما يعرف "بجمهورية الأدب" في أوروبا بين عامي 1680 و1750، وهي مجتمع افتراضي من العلماء والمفكرين الذين تواصلوا عبر الرسائل والمنشورات، وشكّلوا شبكة عابرة للحدود القومية والدينية، بل ان أحد افرادها كان قبطيا يعيش بالخارج ويقوم بالتدريس في جامعتها ويدعى أبو دقن المنوفى كتب تاريخا للأقباط في تلك الفترة المبكرة وسيأتى ذكره لاحقا، وكان كثيرون من هؤلاء العلماء مهتمين باللغة القبطية وأدابها.
كان الاستشراق ودراسته هو التوجه العام لجامعة لوفان التي تأسست عام 1530م ، خاصة اللغات السامية من عبرية وعربية واستعانت في تدريس العربية بيوسف أبو دقن المنوفى الراهب القبطي حيث كان يجيد اللغات العبرية واليونانية والسريانية والتركية والقبطية ووضع كتابه عن تاريخ الأقباط باللاتينية، وتبدأ قصة ابو دقن فى عام 1595م عندما اوفده البابا غبريال الثامن (1586-1601) الى روما لمحادثات بين الكنيستين، ولسبب غير معروف استقر هناك وارتبط اسمه بالدراسات اللغوية والقبطية عبر تاريخه، ويبدوا ان موهبة ابو دقن فى اللغات جعلته يصل الى بلاط الملك الفرنسى هنرى الرابع كمترجم فى عام 1600، ثم قام بتدريس العربية فى جامعة اوكسفورد، وقد استعانت المؤرخة الانجليزية السيدة بوتشر بكتاباته في كتابها المعروف عن تاريخ الكنيسة القبطية واثنت على دقتها دون ان تعرف مؤلفها، ترجم ايضا ابودقن العهد الجديد الى اللهجة القبطية البحيرية وقام بنقل النص العربى للعهد الجديد من مخطوطات قبطية بأكسفورد وارسلها الى احد تلاميذه فى ليدن بهولندا وهو "إربنيوس" Erpenius حيث نشره هناك عام 1611، ثم توجه بعد ذلك الى بلجيكا حيث توافر على وضع مؤلفات منها قاموس عربى لاتينى كما قام بوضع سفر المزامير فى اربع لغات هى العربى والعبرى واليونانى واللاتينى بل ان له ترجمة لبعض الرياضيات من اللاتينيه الى العربية.
كذلك كان من أوائل الرحالة اللذين اهتموا بالمخطوطات القبطية "ريموند" Giovanni Battista Raimondi (1610 – 1540)عالم الرياضيات واللغات الايطالى، وقد حاول وضع ترجمة للكتاب المقدس فى ستة اعمدة من اللغات العربية والسريانية والقبطية والاثيوبية والفارسية والارمنية، ساعد انتشار مجموعات المخطوطات القبطية التى تم احضارها الى اوربا فى القرنين السادس عشر والسابع عشر على الاهتمام بالدراسات القبطية، فبدأ العلماء الاوربيين فى القرن الثامن عشر محاولات اخرى أكثر الحاحا فى طلب المخطوطات القبطية ودراستها وفهرستها، فقام الكاردينال "ستيفانو بورجيا" Cardinal Stefano Borgia (1731-1804) مدير كلية الدعاية بالفاتيكان Congregatio de Propaganda Fide بالحصول على مجموعة متميزة من المخطوطات القبطية اصبحت اساس لمكتبة نابولى بأيطاليا، وكذلك الرحالة فانسليب Johan Michael Vansleb الذى زار مصر عدة مرات واثرى باريس بمجموعاتها الشهيرة، احدها في أعوام 1664-65 حيث قابل البابا متاؤس الرابع البطريرك القبطى (1660-1675)، وفى مرة اخرى عاد من باريس عام 1672-73 مكلفا بجمع المخطوطات القبطية لمكتبتها الملكية، فحصل على مجموعة هامة من المخطوطات تقدربحوالى 355 مخطوط متنوع، ووضع مذكرات عن زيارته لمصر والاماكن الرهبانية التى زارها ومنها دير الانبا انطونيوس وسجل مظاهر الاحتفال بعيد الشهيدة القديسة دميانة فى ديرها ببلقاس، ودير الانبا شنودة رئيس المتوحدين بسوهاج وغيرها، كان ثراء بعض المكتبات بالمخطوطات القبطية وازعا على الدراسة فى بلد مثل فرنسا، فقد اهتم بها أحد هواة المخطوطات هو بيرسك Nicoles Cloude Fabri de Peirsc (1850 – 1637 م)، جامع التحف والمخطوطات النادرة الملقب بأمير جمهورية الاداب لثقافته الموسوعية، إذ استطاع الحصول علي نسخ من الإنجيل والمزامير والخولاجيات (كتب القداسات)، فحاول بيرسك تكوين مجموعة من أصدقائه المهتمين بدراسة القبطيات لفحص ودراسة هذه المخطوطات وكان من هذه المجموعة اثناسيوس كيرشر Athanas Kircher من الآباء اليسوعين الذين بدأوا بالدراسات القبطية مبكرا في أوربا.
ومن الذين حضروا الى مصر ايضا يوسف السمعاني أمين مكتبة الفاتيكان الذي أرسله البابا الروماني كليمنت الحادي عشر خصيصا لجمع المخطوطات القبطية و أثري مكتبة الفاتيكان بأعداد ضخمة منها حيث زار مصر مرتين فى عام 1715 و1735، لكن كان علينا ان نمر على أوربا في عدة اسطر اختصار لعديد من الإصدارات لنعرف الى أي مدى كان الاقباط يشاهدون تراثهم موضع الدراسة والاهتمام في الخارج، قبل أن نلتفت الى الداخل ونرصد نمو هذا الاهتمام، وفى وقت لاحق بعد حكم محمد على، قام روبرت كرزون (البارون زخ)، بزيارة أديرة الشرق عموماً وشاهد كثير من مكتباتها وحصل ايضا على مجموعة هامة من المخطوطات وخاصة من دير السريان بوادى النطرون، الذى زاره عام 1838م حيث كان يعيش به ايضا مجموعة من الرهبان الاحباش مع الاقباط، وقد رسم لوحة في كتابه عن اديرة الشرق يظهر فيها مرتديا ملابس الشرق في تلك الفترة وهو جالس داخل مكتبة دير السريان بوادى النطرون وممسكا بأحد المخطوطات وحوله بعض الرهبان وحراسه الذين رافقوه، وهكذا لا يمكن حصر المهتمين بحضارة وثقافة الاقباط في اوربا بل ايضا الولايات المتحدة التي بدأت متأخرا عن القارة العجوز، وقد عالج الستر هاملتون في كتابه "الاقباط والغرب" هذا الاهتمام الذى طغى على الغرب في تلك الفترة بالحضارة القبطية، وقد استهوى الحصول على المخطوطات والاثار القبطية كبار اثرياء أوربا وأمريكا في بدايات القرن العشرين، فكان أن حضر بنفسه رجل البنوك الامريكى "بيير بونت مورجان" صاحب مجموعة البنوك وحصل على مجموعة متميزة من مخطوطات عرفت بمجموعة مورجان وهى من منطقة حامولى بالفيوم ومحفوظة بنيويورك في متحف يحمل اسمه، أما الثرى الثانى فهو تشارلز فرير رجل الصناعة الامريكى وحصل على مجموعة من اندر واقدم مخطوطات الكتاب المقدس وسميت المجموعة بأسمه "مجموعة فرير"، لم يتبقى للأسمين من بنوكهم ومصانعهم شيء والذى خلد أسمائهما هو مجموعات المخطوطات القبطية التي حصلوا عليها وكتبت بأسمائهما، وهكذا كانت الكنائس القديمة والاديرة القبطية وبعض بيوت كبار الاقباط هدفا دائما لزيارات الرحالة الاوربيين والقناصل وغيرهم من المهتمين بالتراث.
كان الاحساس بالهوية القبطية ملازما الاقباط فى جميع المراحل التاريخية التى مروا بدءا من الفترة الرومانية التى عانوا فيها الاضطهاد وماتلى ذلك من عصور، وقد تنامى هذا الاحساس فى العصر الحديث خاصة مع ظهور كثير من الاكتشافات الأثرية والنهضة الكنسية التى كان بطاركة الكنيسة يبثونها، خاصة البابا كيرلس الرابع (1853- 1861) الملقب بأبو الاصلاح ومن تلوه من الإباء، وصاحب ذلك انتشار التعليم وارتفاع نسبة المتعلمين من الاقباط ومشاركتهم الفعالة فى محاولة خدمة المجتمع من خلال الجمعيات والهيئات الخيرية والثقافية العديدة من أوائل القرن التاسع عشر، كان لأستمرار الكنيسة القبطية عبر واحد وعشرون قرنا من الزمان دون انقطاع سواء فى سلسلة الاباء البطاركة، أو فى وحدتها ككنيسة لم تنقسم على نفسها ابدا عبر ما مر بها من احداث تاريخية مردود واضح فى انتاجها الادبى والحضارى، وتمثل الانتاج الادبى فى كم وافر من الانتاج الدينى بأنواعه الكثيرة باللغات القبطية واليونانية والعربية، حيث يزيد حجم الانتاج الادبى للأقباط عن أضعاف الانتاج الادبى لمسيحى المنطقة العربية مجتمعين، أما الانتاج الحضارى فقد تمثل فى الكم الهائل من الفنون والاثار الباقية أو التى تم الكشف عنها خاصة فى القرن العشرون وبداية القرن الحالي.