في قلب الإسكندرية، وتحديدًا في شارع البطالسة بمنطقة الأزاريطة، تقف حكاية تتجاوز جدران مبنى تاريخي لتروي جانبًا من مسيرة العلاقات المصرية الروسية؛ حكاية بدأت مع المركز الثقافي السوفيتي، وامتدت عبر تحولات سياسية كبرى، من سنوات التقارب والتعاون إلى مرحلة التوتر التي شهدت إغلاق المركز عام 1977، ثم عودته إلى النشاط في نوفمبر 1990، ليواصل أداء رسالته الثقافية في مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين.

إنه البيت الروسي بالإسكندرية، الذي ارتبط اسمه بفيلا «سالفاجو» التاريخية، أحد المباني التي تعكس جانبًا من الطابع المعماري والاجتماعي للإسكندرية خلال النصف الأول من القرن العشرين، قبل أن تتحول إلى مقر ثقافي يجمع المصريين والروس حول اللغة والأدب والفنون والعلوم.

من فيلا سالفاجو إلى المركز الثقافي السوفيتي
تعود جذور حكاية المبنى إلى عام 1913، حين شُيدت فيلا سالفاجو، المرتبطة بعائلة سالفاجو ذات الأصول اليونانية، في منطقة الأزاريطة. وفي ستينيات القرن الماضي، دخل المبنى مرحلة جديدة من تاريخه، عندما جرت مفاوضات لشرائه وتحويله إلى مقر للمركز الثقافي السوفيتي بالإسكندرية.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن المركز بدأ نشاطه في الإسكندرية عام 1967، بينما تذكر مصادر أخرى عام 1968 تاريخًا لإنشائه أو افتتاحه؛
وبغض النظر عن هذا الاختلاف، فإن المؤكد أن المركز نشأ في سياق علاقات مصرية سوفيتية شهدت تعاونًا واسعًا في مجالات متعددة، وكان النشاط الثقافي أحد المسارات التي أتاحت للشعبين التعرف إلى ثقافة الآخر، بعيدًا عن الاجتماعات الرسمية والاتفاقيات السياسية.
ومنذ ذلك الوقت، لم يكن المكان مجرد مقر لتعليم اللغة الروسية، بل مساحة للتعريف بالأدب والموسيقى والفنون، وتنظيم اللقاءات الثقافية، وإتاحة فرص التواصل بين الطلاب والباحثين والمهتمين بالثقافة الروسية.
*
1977 .. عام الإغلاق الذي توقف فيه الحوار الثقافي*
لم تسر رحلة المركز في خط مستقيم؛ ففي 15 ديسمبر 1977، أُغلق المركز الثقافي السوفيتي بالإسكندرية في سياق توتر العلاقات المصرية السوفيتية آنذاك.
وظل المركز مغلقًا نحو ثلاثة عشر عامًا، حتى أعيد افتتاحه في 26 نوفمبر 1990، وفقًا لما تورده مصادر تاريخية محلية وصحفية تناولت مسيرته.
وتكتسب هذه المحطة أهمية خاصة؛ لأنها تكشف كيف يمكن للتحولات السياسية أن تنعكس على المؤسسات الثقافية، حتى تلك التي تقوم رسالتها على التواصل بين الشعوب. فالمركز الذي كان يستقبل الدارسين والمهتمين باللغة والفنون وجد نفسه خارج المشهد لفترة طويلة، قبل أن يعود إلى العمل مع تغير البيئة السياسية الدولية.
وجاءت إعادة الافتتاح في مرحلة شهدت تحولات تاريخية كبرى، تزامنت مع اقتراب تفكك الاتحاد السوفيتي ثم انهياره عام 1991. ومع تغير الدولة التي حمل المركز اسمها، انتقل تدريجيًا من الهوية السوفيتية إلى الهوية الروسية، بينما استمرت رسالته الأساسية في التعريف بالثقافة الروسية وتوسيع مجالات التبادل الثقافي والعلمي.
البيت الروسي اليوم.. الثقافة أكثر من مجرد لغة
على مدار العقود التالية، اتسعت أنشطة المركز لتشمل برامج تعليمية وفنية وثقافية متنوعة، تجمع بين دورات اللغة الروسية والندوات الأدبية والفكرية والمعارض الفنية والعروض السينمائية والحفلات الموسيقية وورش العمل.
ويؤكد أرسيني ماتيوسشينكو، مدير البيت الروسي بالإسكندرية، أن دور المؤسسة لا يقتصر على تعليم اللغة، بل يمتد إلى بناء جسور للتواصل الإنساني والثقافي بين المصريين والروس، والتعريف بالتراث الروسي في مجالات الأدب والفنون والموسيقى والعلوم.
كما تشمل أنشطة المؤسسة مجالات التعاون الأكاديمي والتعريف بفرص الدراسة في روسيا، إلى جانب تنظيم لقاءات علمية وثقافية تستهدف الشباب والطلاب والباحثين.
وتضم برامج البيت الروسي أنشطة وأندية متخصصة، من بينها نادي علم المصريات والنادي الإعلامي ونادي الحوار الثقافي، فضلًا عن الفعاليات الموجهة للأطفال والشباب.
وتبرز أهمية هذه الأنشطة في كونها تتيح التفاعل المباشر بين الثقافتين، من خلال التجربة الفنية والتعليمية واللقاءات المفتوحة، بما يساعد على بناء معرفة أعمق بالآخر، ويمنح العلاقات الثنائية بعدًا إنسانيًا يتجاوز المؤسسات الرسمية.
السد العالي.. ذكرى تاريخية تعيد استحضار التعاون المصري الروسي
ومن الأحداث الواقعية التي تكشف كيف يستعيد البيت الروسي صفحات من التاريخ المشترك، تنظيمه خلال يناير 2026 سلسلة فعاليات بمناسبة مرور 55 عامًا على افتتاح السد العالي.
وتضمنت الفعاليات ندوات متخصصة ولقاءات شبابية وورش عمل فنية، تناولت الأهمية التاريخية والتنموية للمشروع، الذي ارتبط بالتعاون المصري السوفيتي في ستينيات القرن الماضي.
كما شهد البرنامج أنشطة للأطفال بالتعاون مع مركز جمال عبد الناصر، تضمنت ورشًا فنية للتعريف بتاريخ بناء السد العالي، واختُتمت الفعاليات بمعرض لأعمال فنية جسدت المشروع.
ويقدم هذا الحدث نموذجًا واضحًا لتوظيف الذاكرة التاريخية في العمل الثقافي المعاصر؛ فالسد العالي ليس مجرد مشروع هندسي ضخم، بل محطة بارزة في تاريخ مصر الحديث، ارتبطت بالتعاون الفني والهندسي مع الاتحاد السوفيتي، وما صاحب ذلك من تحولات اقتصادية وتنموية.
ومن خلال استعادة هذه الذكرى، تتحول الوقائع التاريخية إلى مادة للحوار بين الأجيال، وتصبح الثقافة وسيلة لقراءة الماضي وفهم أثره في العلاقات الحالية بين البلدين.
القاهرة.. البيت الروسي الشقيق
لا تكتمل حكاية البيت الروسي بالإسكندرية دون التوقف أمام المركز الثقافي الروسي بالقاهرة، الذي تعود جذور نشاطه إلى عام 1956، ويُعد من المؤسسات الرئيسية للتعريف بالثقافة الروسية في مصر.
ومع انتقاله إلى مقره الحالي بمنطقة الدقي عام 1966، واصل المركز تنظيم أنشطته التعليمية والفنية والثقافية، من دورات اللغة إلى المعارض والفعاليات الموسيقية واللقاءات الفكرية.
وتكشف المقارنة بين المؤسستين عن مسارين متكاملين للحضور الثقافي الروسي في مصر؛ فالقاهرة بما تضمه من جامعات ومؤسسات سياسية وثقافية، والإسكندرية بما تتمتع به من تاريخ متوسطي وانفتاح حضاري، تتيحان مجالين مهمين للتواصل والتبادل المعرفي.

كما أن وجود مؤسسات ثقافية روسية في المدينتين يمنح الأنشطة مساحة للوصول إلى شرائح متنوعة من الجمهور، ويعزز فرص التعاون مع الجامعات والمكتبات والمراكز الفنية والإعلامية.
الغردقة.. نموذج آخر للتواصل الثقافي الروسي
وفي سياق الحضور الثقافي الروسي في مصر، برزت كذلك تجربة «عالم روسيا» في الغردقة، التي ارتبطت بدعم اللغة والثقافة الروسية وتوفير الكتب والمواد التعليمية، في مدينة تستقبل أعدادًا من الزوار والمقيمين الروس.
وتختلف هذه التجربة من حيث طبيعتها المؤسسية عن البيت الروسي بالقاهرة والبيت الروسي بالإسكندرية؛ لذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها نموذجًا إضافيًا للتواصل الثقافي، لا فرعًا مماثلًا لهما بالضرورة.
وتوضح هذه التجربة أن الاحتياجات الثقافية لا تنشأ فقط داخل العواصم الكبرى، بل يمكن أن تتوسع في المدن السياحية التي تتحول فيها الإقامة والسفر إلى روابط إنسانية واجتماعية طويلة الأمد.
من المركز الثقافي إلى البيت الروسي
شهدت المراكز الثقافية الروسية بالخارج تحولًا في هويتها التعريفية، مع اعتماد اسم «البيت الروسي» عام 2021 بدلًا من «المركز الثقافي الروسي»، في إطار توجه لتقديم هذه المؤسسات بوصفها مساحات مفتوحة للحوار والتواصل الإنساني والثقافي.
ويحمل الاسم دلالة تتجاوز التغيير اللفظي؛ فالبيت مساحة للقاء والتعارف واستضافة الآخرين، وهو ما ينسجم مع أنشطة تجمع بين اللغة والفنون والعلوم والتعليم.
وفي الإسكندرية، يظل الاسم الجديد امتدادًا لتاريخ بدأ في الحقبة السوفيتية، ومر بفترة الإغلاق وإعادة الافتتاح، ثم استمر في مرحلة ما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وصولًا إلى الأنشطة الحالية.
*
12 يونيو.. الدبلوماسية الثقافية في المشهد السكندري*
وفي الثاني عشر من يونيو من كل عام، تحتفل روسيا بيومها الوطني، المعروف باسم «يوم روسيا». وتمثل الاستقبالات التي تنظمها البعثات الدبلوماسية الروسية، ومنها القنصلية العامة بالإسكندرية، مناسبات للتواصل مع المسؤولين والدبلوماسيين وممثلي المؤسسات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.
ولا تقتصر أهمية هذه المناسبات على طابعها الوطني، بل تتيح فرصًا لتجديد رسائل الصداقة، والتعريف بالثقافة الروسية، واستعراض مجالات التعاون بين البلدين، بما يشمل التعليم والسياحة والاقتصاد والثقافة.
وتكتسب هذه الفعاليات أهمية خاصة في الإسكندرية، التي احتضنت عبر تاريخها مؤسسات قنصلية وثقافية متعددة، وأسهمت في تشكيل شخصية المدينة بوصفها مساحة للتفاعل بين شعوب وثقافات مختلفة.
ومن هنا، تتكامل الدبلوماسية الرسمية مع الدبلوماسية الثقافية؛ فالأولى تفتح قنوات التعاون بين الدول والمؤسسات، بينما تمنح الثانية هذا التعاون بعدًا إنسانيًا عبر اللقاءات الفنية والتعليمية والأنشطة الموجهة للجمهور.
ستة عقود من الذاكرة.. ومستقبل مفتوح للحوار
إن حكاية البيت الروسي بالإسكندرية ليست مجرد تاريخ لمؤسسة تعليمية أو ثقافية، بل سجل مصغر لتحولات العلاقات المصرية الروسية، من مرحلة التعاون السوفيتي إلى سنوات التوتر والإغلاق، ثم استئناف النشاط في مرحلة جديدة من التاريخ الدولي.
ومن فيلا سالفاجو التي تعود إلى عام 1913، إلى المركز الثقافي الذي استقبل أجيالًا من الدارسين والمهتمين بالثقافة الروسية، وصولًا إلى الفعاليات المعاصرة التي تستعيد محطات مشتركة مثل تاريخ السد العالي، يظل المكان شاهدًا على قدرة المؤسسات الثقافية على الاحتفاظ بذاكرتها ومواصلة دورها عبر تغير الأزمنة.
وبين البيت الروسي بالقاهرة والتجارب الثقافية الروسية الأخرى في مصر، تتعدد صور التواصل التي تجمع بين اللغة والفنون والتعليم والتاريخ، لتؤكد أن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى بالاتفاقيات وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى مساحات يلتقي فيها الناس ويتعرفون إلى ثقافات بعضهم بعضًا.
ومع اقتراب البيت الروسي بالإسكندرية من إكمال ستة عقود على تأسيسه، تبرز أهمية توثيق أرشيفه التاريخي، وجمع شهادات المديرين السابقين والدارسين الذين مروا به، وحفظ الصور والوثائق التي تسجل محطات نشاطه، ليبقى تاريخه جزءًا موثقًا من ذاكرة الإسكندرية الثقافية، ومن مسيرة العلاقات المصرية الروسية.