تتناول خطبة الجمعة اليوم في مساجد مصر موضوع «الأمن الفكري.. استقرار مجتمعي ووطني»، وفقًا لما أعلنته وزارة الأوقاف، التي تستهدف من خلال الخطبة إبراز اهتمام الإسلام بتحقيق الأمن المجتمعي، ولا سيما ما يرتبط بحماية العقول وصيانة الفكر من الانحراف والتضليل، لما لذلك من دور أساسي في الحفاظ على تماسك المجتمع وتحقيق الاستقرار الوطني.
وتؤكد الخطبة أهمية ترسيخ الوعي الصحيح، والتمسك بمنهج الوسطية والاعتدال، ومواجهة الأفكار الهدامة والشائعات المغرضة، إلى جانب إبراز دور الأسرة والمؤسسات التربوية في تنشئة أجيال قادرة على التمييز بين الأفكار السليمة والمنحرفة، وتعزيز الانتماء الوطني والعمل من أجل رفعة الوطن واستقراره.
الخطبة الأولى: الأمن الفكري.. استقرار مجتمعي ووطني
الحمد لله الذي أكرمنا بنعمة الإسلام، وهدانا إلى طريق الإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل العقل أساسًا للتكليف، ووسيلة للفهم الصحيح والتدبر الرشيد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، المصطفى الهادي والبشير، والناصح الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وعلى كل من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله:
أولًا: حماية العقول أساس الحفاظ على الهوية واستقرار الوطن
اعلموا، رحمكم الله، أن صيانة العقول من التضليل، وحماية الأفكار من الانحراف، تمثلان ركيزة أساسية للحفاظ على هوية المجتمع واستقرار الوطن؛ ف الأمن الفكري هو الحصن الذي تتهاوى أمامه الأفكار الهدامة، وتنكشف عنده الشائعات المضللة، ولذلك تبرز أهمية التأمل في عناية الإسلام بهذا الجانب، وضرورة تكاتف جهود المجتمع ومؤسساته المختلفة لحماية الشباب وصيانة العقول، حتى تظل الأوطان قائمة على الوعي والأمن والسلام.
وقد وجّه النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى التمسك بمصادر الهداية الصحيحة، وحذرهم من الغلو والتشدد والانحراف عن المنهج القويم، فقال: «إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين».
ومن هذا المنطلق، فإن الالتزام بالمنهج الصحيح، والابتعاد عن التطرف والغلو، من أهم أسباب تحقيق الأمن والطمأنينة، مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَٰنَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾.
ثانيًا: الأمن الفكري نعمة تستوجب الشكر والمحافظة عليها
تأملوا، عباد الله، عظمة نعمة الوطن وما يحيط بها من أمن واستقرار، فقد قرن الله سبحانه وتعالى بين العبادة والأمن، وامتن على عباده بما أنعم عليهم من الطمأنينة بعد الخوف، فقال عز وجل: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ ٣ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.
ولا شك أن الأمن الفكري والعقلي يمثل أحد أهم مظاهر هذه النعمة؛ إذ يحمي العقول والقلوب من الغلو والتطرف، ويعين الإنسان على الالتزام بقيم الوسطية والاعتدال، ويمنع انتشار الأفكار التي تهدد وحدة المجتمع وتماسكه.
فاستشعروا قيمة الأمن الفكري الذي تنعمون به في وطنكم، وحافظوا على عقولكم وأفكاركم، وأدوا حق الوطن من خلال الوعي واليقظة والعمل النافع، ولا تنساقوا وراء كل رأي أو فتوى تصدر عن غير أهل العلم والاختصاص.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تصدر غير المؤهلين للحديث في أمور الدين، وما يترتب على ذلك من تضليل الناس وإفساد وعيهم، فقال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا».
ثالثًا: استقامة الفكر تحمي الوطن من التطرف والفرقة
تيقنوا، عباد الله، أن المحافظة على الأمن الفكري للوطن، وحماية عقول أبنائه من الانحراف والضلال، والتصدي لأسباب التطرف والتشدد، تحقق مقصدًا عظيمًا من مقاصد الشريعة الإسلامية؛ فحفظ العقل من الضروريات الكبرى التي تقوم عليها حياة الإنسان والمجتمع، ولا يمكن صيانة المصالح العامة والحفاظ على استقرار الأوطان في مجتمع تمزقه الأفكار المنحرفة أو تعبث بعقول أبنائه الشائعات المغرضة.
إن استقامة الفكر تمثل سياجًا يحمي استقرار الوطن، ويسهم في بناء الإنسان الواعي القادر على تحمل المسؤولية، مع ضرورة الحفاظ على استقلال الشخصية المسلمة، والابتعاد عن التقليد الأعمى الذي يجعل الإنسان تابعًا للآخرين دون تمييز بين الصواب والخطأ.
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على استقلال الشخصية والتمسك بالقيم الصحيحة، فقال: «لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا».
كما حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتن التي تتسلل إلى القلوب وتؤثر في بصيرة الإنسان وقدرته على التمييز بين الحق والباطل، فقال: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: قلب أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وقلب أسود مربادًا كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه».
ومن هنا، جاءت دعوة الإسلام إلى الوحدة والاعتصام ونبذ الفرقة والخلاف، فقال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
رابعًا: الأسرة والمؤسسات التربوية أساس بناء الأمن الفكري
اعلموا أن ترسيخ الأمن الفكري يبدأ من الأسرة الواعية، وتدعمه المؤسسات التربوية والتعليمية التي تتحمل مسؤولية غرس القيم السليمة في نفوس الأبناء، وتنمية شعورهم بالانتماء الصادق إلى الوطن، وتعريفهم بأهمية العمل والإعمار والإحسان.
فالأسرة المسلمة هي البيئة الأولى التي تتكون فيها شخصية الأبناء، وتتربى داخلها الضمائر، وتتأصل القيم، وتتشكل ملامح الهوية، ولذلك فإن دورها لا يقتصر على الرعاية، بل يمتد إلى حماية الناشئة من الأفكار المنحرفة، وتحصينهم من الإفراط والتفريط، وتعويدهم على الاعتدال والتفكير السليم.
وتتجلى أهمية التربية القائمة على الإيمان والوعي في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما، حين قال له: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».
وتغرس هذه الوصية في نفوس الأبناء معاني التوكل على الله، واليقين به، والثبات أمام التحديات، بما يساعد على تكوين شخصية متوازنة قادرة على مواجهة الأفكار السلبية والتمسك بالقيم الصحيحة.
ويدعو الإسلام إلى الإصلاح ونشر الخير، ويحذر من الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد، فيا عباد الله:
خامسًا: الوعي الرشيد طريق الحفاظ على الوطن واستقرار المجتمع
احرصوا على بناء الوعي السليم، وترسيخ التفكير الرشيد؛ فهما من أهم دعائم الحفاظ على الوطن واستقرار المجتمع، إذ لا تنهض الأمم بالشعارات وحدها، ولا تتحقق نهضتها بالأماني، وإنما تبني مستقبلها بعقول واعية تدرك طبيعة التحديات، وتحسن التمييز بين الحقائق والأوهام، وتضع الأمور في مواضعها الصحيحة.
فالوعي الحقيقي يحمي الإنسان من الانسياق وراء الأفكار المضللة، ويمنعه من الوقوع في الانحراف، ويجعله عنصرًا إيجابيًا قادرًا على الإسهام في البناء والتنمية ونشر الخير بين الناس.
ولذلك، ينبغي لكل إنسان أن يتحلى بالبصيرة، ويعمل على تنمية عقله، ويتعامل مع ما يواجهه من قضايا وأحداث بحكمة وتأنٍ، وألا يسمح للشائعات أو الآراء المغلوطة بأن تتحكم في مواقفه أو تدفعه إلى اتخاذ قرارات تضر به أو بمجتمعه.
إن قيمة الحفاظ على الوطن تنطلق من وعي أبنائه، ويقظة ضمائرهم، وقدرتهم على تحويل التحديات إلى فرص، والسلبيات إلى إيجابيات، ومواطن الضعف إلى أسباب للقوة والتقدم.
وتتحقق الحكمة حين يحسن الإنسان فهم الواقع والتعامل معه، ويستثمر ما لديه من قدرات في الإصلاح والبناء، حتى يكون ممن عناهم الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
سادسًا: العمل والإخلاص مسؤولية وطنية لحماية المستقبل
كونوا، عباد الله، على وعي بحقيقة الواقع، وتعاملوا مع تحدياته بالحكمة، وحافظوا على أمانة الوطن ومسؤولية الانتماء إليه؛ فالوطن الذي يمنحكم خيراته ويوفر لكم الأمن والاستقرار يستحق منكم العمل الجاد واليقظة والإخلاص في أداء الواجب.
ومن تمام الحكمة أن يدرك الإنسان أن المستقبل لا يُبنى باليأس أو الاستسلام، وإنما تصنعه سواعد المخلصين، وجهود العاملين، وإرادة أبناء الوطن الذين يؤمنون بقدرتهم على التغيير والإصلاح.
فاجعلوا أنفسكم عناصر فاعلة في البناء، وكونوا لبنات صالحة في صرح الوطن، واجمعوا من حولكم على الرحمة والتعاون والتكامل، وابتعدوا عن كل ما يؤدي إلى الفرقة أو يضعف تماسك المجتمع.
ولا تتركوا مجالًا للشائعات أو محاولات التشويه التي تستهدف النيل من عزيمة الوطن أو إضعاف ثقة أبنائه في قدرتهم على مواجهة التحديات، بل اجعلوا عقولكم وقلوبكم مرتبطة بمصلحة بلادكم، محافظين على عهدها، حريصين على رفعتها، عاملين من أجل خير أهلها وازدهارها.
فالوطن القوي هو الذي يتكاتف أبناؤه، ويؤدون مسؤولياتهم بصدق، ويجعلون الإخلاص والإحسان أساسًا لأعمالهم، حتى يظل عزيزًا شامخًا، قادرًا على مواصلة مسيرته نحو التقدم والاستقرار.
واستشعروا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.