يقول الكاتب الصحفي محمد مخلوف، إن تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم وضعت ملامح عقيدة جديدة متكاملة للأمن القومي المصري، عقيدة لا تبدأ من الحدود والسلاح، بل تبدأ من الأسرة المصرية باعتبارها النواة الأولى لحماية الوطن، فتأكيد الرئيس على أن حماية الوطن مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة المصرية، وربطها بمحاولات التشويه التي استهدفت ثقة المواطن في مؤسساته الوطنية، يؤكد أن الدولة انتقلت من معركة مواجهة الإرهاب المسلح إلى معركة أخطر وهي معركة الوعي، وأن الحفاظ على الدولة الوطنية يتطلب مؤسسات وطنية قادرة على حماية مقدرات شعبها.
ويضيف مخلوف أن الرئيس وجه رسالة قاطعة للداخل بإعلانه أن "الدستور المصري لن يمس"، مع تأكيده على الدور الذي حدده الدستور للقوات المسلحة في حماية الدستور والديمقراطية والمقومات الأساسية للدولة. هذا التصريح يضع حدا نهائيا لكل الشائعات والتكهنات، ويؤكد أن الحفاظ على القوات المسلحة واجب وطني يقع على عاتق الجميع عبر نشر الوعي، خاصة وأن الأحداث التي مرت بها مصر أثبتت عظمة دورها الوطني، وهو ما يفسر تحية الرئيس للأكاديمية العسكرية المصرية ودورها في إعداد كوادر الدولة.
ويشير مخلوف إلى أن الرسالة الأخطر والأعمق سياسيا تمثلت في إعلان الرئيس عن مشروع استراتيجي لتحصين الدولة من تولي أشخاص لا يقدرون على تحمل مسؤولية القيادة، حيث كشف عن تكليف مباشر لرئيس البرلمان لإعداد آلية متكاملة لصياغة قانون ينظم انتخاب من تتوفر فيهم شروط معينة لتعليمهم معنى الدولة وكيفية الحفاظ على مقدراتها. وأكد أن الأكاديمية العسكرية المصرية ستتولى تجهيز هذه الكوادر، وأن هذه النخبة الوطنية المدربة ستصبح هي الفرصة الحقيقية المتاحة أمام الشعب المصري ليختار منها.
ويوضح مخلوف أن هذا المشروع الذي يمكن تسميته "مشروع نخبة الدولة" يمثل تحولا جذريا في مفهوم الممارسة السياسية في مصر، فالرئيس لا يتحدث عن تقييد للديمقراطية، بل عن تصحيح لمسارها. فالديمقراطية الحقيقية في مفهومه الجديد هي أن يختار الشعب من بين الأكفأ والأكثر وطنية وانضباطا، وليس الاختيار العشوائي الذي قاد دولا مجاورة إلى الفوضى والانهيار. كما أن تكليف رئيس البرلمان بإعداد القانون يعني أن المشروع سيخرج من إطار المبادرة الرئاسية إلى إطار التشريع الملزم، ليصبح ضمانة قانونية ودستورية لعدم تكرار أخطاء الماضي.
ويلفت مخلوف إلى أن رسائل الرئيس للخليج جاءت لتؤكد أن العقيدة الجديدة للدولة المصرية لا تفصل بين الداخل والخارج، فإشادته بدور الأشقاء في الخليج في استعادة قدرات الدولة المصرية، وتأكيده على أن مصر تقف بقوة لحماية أراضيهم والدفاع عنها، هي رسالة وفاء استراتيجي ورد جميل تحفظ به القاهرة تحالفها التاريخي الراسخ.
ويؤكد محمد مخلوف أن قمة التصريحات تمثلت في إعلان الرئيس: "سننفذ أي إجراء لحماية السعودية وأدعو البرلمان إلى عقد جلسة طارئة للتفويض على هذا التحرك إذا طلب منا ذلك". هذا التصريح ليس مجرد تضامن دبلوماسي، بل هو إعلان التزام عسكري واستراتيجي كامل. فعبارة "أي إجراء" في العرف العسكري تعني فتح كل الخيارات، وطلب تفويض برلماني طارئ يعني احترام الدستور الذي أكد أنه لن يمس، وحشد للإرادة الشعبية المصرية خلف الرياض. وهي رسالة ردع ثلاثية الأبعاد: طمأنة للسعودية، وتحذير لأعدائها، وتأكيد للعالم أن أمن الخليج هو خط أحمر للأمن القومي المصري.
ويختم محمد مخلوف تحليله بالتأكيد على أن ما طرحه الرئيس السيسي اليوم هو مشروع متكامل لبناء دولة محصنة لمئة عام قادمة، دولة أساسها الأسرة المتماسكة، وضامنها جيش قوي ودستور مصان، ومصنع قادتها هو الأكاديمية العسكرية، وآليتها قانون يفرز النخبة الوطنية، وقرارها النهائي بيد الشعب، وامتدادها الاستراتيجي هو عمقها الخليجي والعربي. وهي عقيدة تقول بوضوح إن مصر تجاوزت مرحلة الدفاع عن البقاء، وانتقلت إلى مرحلة صناعة المستقبل، مستقبل لن يترك للصدفة أو للمغامرين.