محمد نجم يكتب: رأس المال.. المعطل!
أرجو أن نتأن قليلا عند تغيير أوضاع قائمة ومستقرة، وحتى لا يتكرر ما حدث مع بدء تطبيق تعديلات قانون الشهر القارى.
وما أطلبه لا يعنى عدم التطوير أو معالجة مخالفات مستمرة أو تصحيح أوضاع خاطئة، أو التوسع فى أنشطة تحقق عوائد عامة أكثر، ولكن ما أطلبه هو حُسن التعامل مع التمهيد لأى تغييرات تمثل أعباء قانونية ومادية جديدة لأغلب المواطنين، وخاصة ذوى الدخل الثابت أو المحدود.
فلا يمكن أن يعترض أحد على "تقنين" أوضاع قائمة وخاصة فى ملكية العقارات، ولا على "ضبط" التصرفات العقارية وتنظيمها وتوافر السلامة والأمان لها.
وإنما نطلب عند إصدار قانون جديد أو إدخال تعديلات جديدة على قانون سارى، أن تطرح المبادئ والأفكار المراد تضمينها التشريعات الجديدة للحوار العام، لعل وعسى تضاف إليها أفكار أخرى تعمل على تحسينها أو تعظيم الفائدة منها، فضلا عن توفر "القبول العام" من المجتمع لما سوف يصدر والاستعداد التام لتطبيقه.. هذا ما يجب أن يحدث فى كل الأوقات، فما بالك إذا كان المجتمع يمر بظروف استثنائية تتمثل فى جائحة شرسة قلصت الأعمال وخفضت الدخول، بل تسببت فى خسائر جمة للكثير من الشركات والأفراد.
نعم.. الحكومة تعمل لمصلحة الشعب، والسادة المشرعين هم "نواب" المجتمع، وحُسن النية مفترض على الجميع، ولكن الخطأ وارد، وسوء التقدير أو التوقيت محتمل، ولا يمكن "الاعتماد" دائمًا على تدخل الرئيس – فى الوقت المناسب – لتصحيح ما يحدث من أخطاء، يجب أن تمنح الجهات المختصة (حكومة، برلمان، غيرهم) نفسها الفرصة والوقت للبحث والدراسة واستطلاع الآراء لضمان حُسن التطبيق والتنفيذ الجيد لما يصدر عنها من قرارات أو تشريعات.
والآن.. نعود للموضوع الأساسى وهو ضرورة التسجيل لما يملكه المجتمع من عقارات فى صورة مبان أو أراضى، فمن المعروف أن عدم "التوثيق" يمنع تحويل هذه الأصول إلى رأسمال عامل يدر عائد معقول ومطلوب..
ولن نخترع العجلة فى هذا المجال، فقط نقرأ ونطبق ما قام به الآخرون، وأذكر الجميع بكتاب "سر رأس المال" للخبير الدولى هرناند دى سوتو، والذى ترك "التنظير" فى الغرفة المكيفة وقاد مائة باحث من جنسيات مختلفة، وخرج - فى منتصف تسعينيات القرن الماضى – إلى الشوارع والأرياف للتعرف على أوضاع الناس على أرض الواقع، ولماذا بعضهم فقراء على الرغم من ارتفاع حجم مدخراتهم المتمثلة فى الأصول المملوكة لهم؟
ففى مصر – وهى من الدول التى شملتها البحوث الميدانية للمؤلف وزملائه – وجد أن قيمة العقارات غير المسجلة حوالى 240 مليار دولار، وهذا المبلغ يعادل ثلاثين مثل قيمة كل الأسهم المسجلة فى بورصة القاهرة – وقتها، وفى رأيهم أن هذا رأس مال غير منتج لا يدر عائدا..
ووجد أيضا.. أن العقارات القابلة للرهن أو الاستبدال أو البيع أو القابلة عمومًا لتوليد ثروة إضافية لا تتوفر حتى لأهل القاهرة الذين قد يبدون أغنياء، ففى أطراف القاهرة يعيش بعض من أفقر الفقراء فى مناطق القاهرة القديمة ومدن "الموتى" وفى هذا الجزء من المدينة لا يمكن استخدام أى من الأصول بشكل قانونى، ويضرب المؤلف مثلا بشخص يريد بناء مسكن على أرض مملوكة للدولة فعليه أن يشق طريقه خلال 77 إجراء بيروقراطيا فى إحدى وثلاثين هيئة عامة وخاصة، وقد يستغرق هذا ما بين خمس سنوات وأربع عشرة سنة! وهو ما يفسر أن حوالى 4.7 مليون مواطن مصرى اختاروا بناء مساكنهم بصورة غير قانونية.
ويقول المؤلف إن القوانين التمييزية هى التى تدفع الناس للعمل من خلال الاقتصاد غير الرسمى.. وبقدر ما تتعدد العقبات فى القوانين السارية بقدر ما تتعدد أشكال الالتفاف حولها، وفى رأيه أن الناس لا تلجأ إلى الاقتصاد غير الرسمى لأنه ملاذ من الضرائب، ولكن لأن القانون القائم – مهما كانت رشاقة صياغته – لا يعالج احتياجاتهم أو طموحاتهم، وكيف يطمح أى نظام قانونى إلى المشروعية إذا كان يستبعد 80% من الناس.
لقد أنهى الخبير الدولى نصائحه بقوله: على دعاة الإصلاح أن يضعوا أقدامهم فى أحذية الفقراء ويمشوا فى شوارعهم!
حفظ الله مصر.. وألهم أهلها الرشد والصواب