نقطة تحول

نقطة تحولرجب البنا

الرأى9-10-2021 | 10:02

رجب البنا

أصدق وصف لنصر أكتوبر أنه نقطة تحول فى التاريخ الحديث ل مصر وللمنطقة وللعالم، نقطة تحول فى الفكر العسكرى غيرت النظرة التقليدية التى كانت ترى أن المانع المائى والجدار المنيع يستحيل على أية قوة عسكرية اقتحامه إلا بخسائر تفوق التصور، هدم الفكر العسكرى المصرى هذه النظرية وأثبت أنه يمكن ابتكار وسائل غير تقليدية للتغلب على الموانع الحصينة مهما كانت.

نقطة تحول فى القوات المسلحة المصرية، فقد أصبح لدينا جيش جديد مختلف فى تكوينه وتسليحه وتدريبه، جيش لديه خبرات حروب أكبرها حرب أكتوبر، وأجيال من القادة يحملون الخبرة والكفاءة والاستعداد القتالى الحقيقى، وروح القتال وإرادة النصر لدى كل فرد فيه، جيش مسلح ومدرب وجاهز للدفاع عن كل الحدود، جيش له قيادة مهنية عاشت حياتها فى المعسكرات ملتزمة التزامًا صارمًا بالتقاليد والحياة العسكرية.

ونقطة تحول فى نظرة العالم ل مصر وتعاملها معها، فبعد أن كان ينظر إلى مصر على أنها بلد مهزوم وغير قادر على حماية أرضه، أصبح ينظر إليها على أنها بلد قوى وقادر على إدارة معارك الحرب والسلام بمقدرة وكفاءة.

وقد استمر التطور والتحديث للجيش المصرى سنة بعد سنة إلى أن وصلت القيادة العليا إلى صاحب الرؤية المستقبلية والفكر الاستراتيجى الذى يعيش فى المستقبل ولا ينشغل لحظة عن معركة بناء وتقدم وتحديث وطنه.

نقطة تحول قالت عنها جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل وقت الحرب، فى مذكراتها فى فصل بعنوان «الهزيمة»: (ليس أشق على نفسى من الكتابة عن حرب أكتوبر التى واجهت الدولة فيها أكبر خطر عرفته منذ نشأتها، فقد أكد القادة العسكريون الإسرائيليون أننا لن نواجه خطر هجوم مصرى سورى، وأن حشود القوات المصرية وتحركاتها فهى المناورات التى تجرى فى مثل هذا الوقت من السنة، ولكن بدأت الحرب وكان هناك تفوق ساحق علينا سواء فى الأسلحة أو الدبابات أو الطائرات أو الرجال، وكنا نقاسى من انهيار نفسى سحيق.. إننى لن أحاول أن أصف كيف كانت تلك الأيام بالنسبة لى، فلم يكن ممكنا أن تكون الظروف أسوأ مما هى عليه، يكفى أن أقول إننى لم أستطع أن أبكى عندما انفردت بنفسى، وكان من الممكن أن أتحطم كلية.. كانت الخسائر على الجبهتين مرتفعة للغاية، وجاء «ديان» وزير الحربية وسألنى: هل تريدين منى أن أستقيل، وبدأنا طلب معونات عسكرية من الولايات المتحدة وطلبنا جسرا جويا، وقلت: أيقظوا كيسنجر.. نحن فى حاجة إلى النجدة بسرعة، وأمر الرئيس الأمريكى نيسكون بإرسال الطائرات الجبارة جلاكسى، هذا الجسر الجوى ساعدنا عسكريًا وساهم فى توضيح الموقف الأمريكى، ووصلت فى الجالاكسى الدبابات والذخيرة والملابس والإمدادات الطبية وصواريخ الجو، وكانت الطائرات الفانتوم والسكاى هوك يعاد تموينها فى الجو، وكانت الطائرات الجلاكسى العملاقة تصل إلى مطار اللد بمعدل طائرة كل خمس عشرة دقيقة، وحين ذهبت لمشاهدة الطائرات الجلاكسى بدت أمامى كنوع من الوحوش الهائلة فيما قبل التاريخ.. ودارت معركة الدبابات الرهيبة راح ضحيتها مئات من الصغار والكبار، وشعرت بضرورة التفاوض مع العرب فى أى وقت وأى مكان يختاره العرب، وذلك لمواجهة الضغط الشديد علينا، فقد كان موقف السادات أقوى منا، وقلت للحكومة ليست هناك سوى دولة واحدة يمكن أن نتجه إليها وأحيانًا نستسلم لها فهى الصديق القوى، وليس هناك ما يخجل دولة صغيرة كإسرائيل فى هذا الموقف أن تستسلم للولايات المتحدة).

هكذا كان الحال فى إسرائيل باعتراف رئيسة الوزراء..

ويقول موشى ديان وزير الحربية الإسرائيلى فى وقت الحرب فى مذكراته: (لقد جاء الهجوم المصرى السورى مفاجأة لنا، ولم يكن غير متوقع نظرًا لطبيعة وسياسة القيادة المصرية ولياقة الجيش المصرى.. لقد كان اليوم الأول للقتال، يوم كيبور، يوما شاقا علينا، فقد خسرنا كثير من الرجال، وفقدنا أراضى ومواقع غالية القيمة، وكان تقرير رئيس الأركان بأن مصر وسوريا حققتا فى الهجوم ميزتين على أقصى جانب من الأهمية، الأولى هى المبادرة وبدء القتال، والثانية هى التفوق فى القوى، وحين أصبح العبور حقيقة واقعة لم تعد مواقعنا الحصينة سوى فخاخا للموجودين فيها، وقلت إننا نواجه جيشا مختلفا ليس هو الجيش الذى عرفناه فى عام 1967، إننا نواجه قوات جيدة تم تجهيزها ويملؤها التصميم والإصرار، وقلت إن طيراننا سيواجه تحديات خطيرة تتمثل فى سلاح الطيران المصرى وسلاح الصواريخ، وكان بيان الولايات المتحدة إن الرئيس نيكسون يتابع الموقف عن كثب).

اعترافات كثيرة فى مذكرات قادة إسرائيل تدل على أن حرب أكتوبر كانت نقطة تحول كبرى بالنسبة لإسرائيل، فقد كانت أول نصر عربى على إسرائيل وعلى مخابرات أمريكا، كما كانت هذه الحرب نقطة تحول بتأثيراتها الاستراتيجية فى العديد من دول العالم لقواتها المسلحة، فبدأت تنظيم جيوشها على ضوء خبرات أكتوبر فى تطوير الخطط والمعدات وأساليب استخدامها، وكانت الحرب نقطة تحول أثبتت من خلال التنافس بين الأقمار الصناعية ووسائل التجسس الإلكترونية الأخرى الأمريكية والروسية أن الحرب الحديثة هى حرب معلومات وأن تحليل هذه المعلومات هو مفتاح القدرة والتحكم.

ولكى يحكم التاريخ على شخصية صانع القرار لحرب 1973 عليه أن يرجع إلى ما قاله له الروس من أن هذه الحرب ستكلفه ثلاثة أرباع قوة الجيش التى تعبر القناة، وأكد خبراؤهم أن خط بارليف يحتاج إلى قنبلة ذرية لتحطمه، لكن السادات أعطى ثقته فى قادته المصريين وكلفهم بتخطيط عملية اقتحام الحصون المنيعة والحصول على موطئ القدم على الضفة الشرقية، كان هذا الرباط الوثيق بين السادات وقيادات الجيش، ثم كان التنفيذ الرائع السر فيما تحقق مما اعتبره بعض المؤرخين معجزة.

لا بد أن نحفظ كل قادة النصر فى قلوبنا، ونذكر لهم كفاءتهم التى شهد بها الأعداء.. ابتداء من السادات القائد الأعلى.. إلى الفريق أول أحمد إسماعيل على وزير الحربية.. إلى الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة.. إلى اللواء (الفريق) محمد عبد الغنى الجمسى رئيس هيئة العمليات.. إلى اللواء (الفريق) طيار محمد حسنى مبارك قائد القوات الجوية.. إلى اللواء (الفريق) بحرى فؤاد ذكرى قائد القوات البحرية.. إلى اللواء (الفريق) محمد على فهمى قائد الدفاع الجوى.. إلى اللواء (الفريق) نوال سعيد رئيس هيئة الإمداد والتموين.. إلى اللواء (الفريق) محمد سعيد الماحى مدير سلاح المدفعية.. إلى اللواء (الفريق) كمال حسن على مدير سلاح المدرعات.. إلى اللواء (الفريق) جمال محمود على مدير سلاح المهندسين العسكريين.. إلى اللواء (الفريق) فؤاد نصار مدير الاستخبارات العسكرية.. إلى اللواء (الفريق) نبيل شكرى قائد قوات الصاعقة.. إلى العميد (اللواء) محمود عبد الله قائد قوات المظلات.. وعشرات القادة.. وكل الضباط والجنود.

وتحية لكل من شارك فى صنع نصر أكتوبر من القائد الأعلى إلى أصغر جندى.. ولكل شهيد ضحى بحياته لكى نعيش برؤوس مرفوعة وبكرامة.. تحية إكبار ومكان فى القلب وتقدير لتضحياته الغالية.

أضف تعليق