تاريخ طويل وعريق ،واسرار والغاز كثيرة يحملها تاريخ الإسكندرية ،فكثيرا ما سمعنا عن السراديب الموجودة تحت سطح المدينة وتقود إلى مدينة ثانية وثالثة تحمل الكثير والكثير من الاثار التى تم اكتشافها والاثار الأكثر التى لم تكتشف حتى الان هذا بخلاف الآثارثار الغارقة التى تم اكتشافها ومازال هناك الكثير فى طريقه للكشف حتى سميت الاسكندرية القديمة مدينة تحت المدينة ،و هو عنوان الدراسة التى قامت بها الباحثة آية محمد حلمى الباحثة بمركز الآثار البحرية والتراث الثقافي المغمور بكلية الاداب جامعة الاسكندرية والتى تناولت فيها جزء من تاريخ الاسكندرية
تقول الباحثة تحتل مدينة الإسكندرية مكانة مميزة في تاريخ العالم القديم بشكل عام وتاريخ مصر بشكل خاص، وذلك لأنها مدينة ذات طابع خاص منذ بناءها؛ بل من قبل البدء في عملية البناء حيث أن اختيار موقع المدينة لم يكن محض صدفة. عندما وصل الإسكندر الأكبر إلى مصر قرر بناء مدينة تحمل إسمه على أرضها، واختار لها موقعاً مميزاً حيث فكر في الربط بين قرية "راكوتيس" وجزيرة فاروس عن طريق جسر أُطلق عليه "هيبتا ستوديوم" وأمر مهندسه المعماري "دينوقريتس" بتنفيذ خطة بناء المدينة في هذا الموقع لتكون عاصمة مصر التي تربطها بمقدونيا، وهو موقع مميز لكونه على الساحل، له ميناء رائع، ومناخ مناسب، ومياه متجددة. وبالفعل تم بناء الإسكندرية على طراز المُدن اليونانية "الطراز الهيبودامي" وهو تقسيم المدينة إلى شارعين رئيسيين متعامدين تنتج عنهم شوارع طولية وشوارع عرضية بتخطيط يشبه رقعة الشطرنج، وكانت تتكون من خمسة أحياء رئيسية.
ولعل أحد أهم أسباب روعة مدينة الإسكندرية أنه على مدار التاريخ مرت عليها عصور متعاقبة لكل منها سماته الخاصة، بدايةً من العصر البطلمي، ثم العصر الروماني، مروراً بالفترة البيزنطية، وحتى الفتح العربي، وبمرور الزمن تعرضت أرض الإسكندرية للعديد من التغيرات إلى أن وصلت لما هي عليه الآن. أثبتت الحفائر الأثرية أن مستوى سطح الأرض الآن يرتفع عن مستوى أرض الإسكندرية القديمة عدة أمتار وذلك نتيجة تراكم مخلفات العصور عليها. بأعمال التنقيب الأثري تم العثور على بعض الآثار الرومانية والبيزنطية والعربية على مسافة تتراوح بين ستة وسبعة أمتار، وبالتالي يستوجب الوصول إلى الطبقة البطلمية مضاعفة تلك المسافة وهو ما يؤكد أنه مازال هناك الكثير من بقايا وآثار الإسكندرية القديمة تحت أرض المدينة الحالية.
وكان محمود باشا الفلكي هو أول من قام بأعمال التنقيب الأثري في الإسكندرية ورسم خريطة توضح معالم المدينة وشوارعها قديماً لتكون أحد أهم المصادر التي تعتمد عليها البعثات الأثرية حتى الآن، ومن خلال ماتوصلت إليه الحفائر وما أوضحته الخرائط تأكد لنا أن بعض شوارع الإسكندرية الحالية كانت من أهم شوارع الإسكندرية القديمة، وأبرز الأمثلة على ذلك هو شارع النبي دانيال، ومنطقة عمود السواري، ومقبرة كوم الشقافة، وكذلك تل كوم الدكة حيث أن هذه المنطقة كانت تمثل وسط المدينة في العصر الروماني المتأخروقد عرضت الباحثة لبعض أعمال الحفائر وما نتج عنها من إكتشاف مواقع أثرية هامة،ومنها :
شارع النبي دانيال:
ترجع القيمة التاريخية لشارع النبي دانيال إلى عصر الإسكندر الأكبر حيث يُعتقد أنه جزء من الشارع الطولي الرئيسي في الإسكندرية القديمة، إلى جانب قيمته الأثرية لما يضمه من منشآت يهودية وقبطية وإسلامية متمثلة في المعبد اليهودي والكنيسة المرقسية ومسجد النبي دانيال، بالإضافة إلى أنه من أكثر الشوارع حيوية في عصرنا الحالي لما فيه من محلات تجارية وغيرها من المنشآت الخدمية. على الرغم من الأهمية التاريخية والأثرية المتمثلة في كل ماسبق، مازال هذا الشارع يحتفظ بأسرار من الماضي فيما يسمى "سراديب النبي دانيال" التي ارتبطت في أذهان بعض سكان المدينة بحكايات خيالية عن لعنة الأجداد، وارتبطت في أبحاث الأثريين بأدلة ومفاتيح للكشف عن تاريخ المدينة بشكل أوضح والوصول إلى نتائج أكثر دقة. الرأي الأرجح أن هذه السراديب لم تكن إلا قنوات لنقل المياة إلى الصهاريج، فقد نتج عن الحفائر إكتشاف صهريج مياه في الركن الشمالي الغربي لمسجد النبي دانيال تحديداً تحت الضريح. والصهاريج هي خزانات تتكون من طابقين أو ثلاثة وقد تصل إلى أربعة طوابق تحملها أعمدة من الجرانيت الأحمر، يتم نقل المياه إليها عن طريق قنوات أرضية متصلة بفرع النيل. بدأ استخدام الصهاريج منذ العصر البطلمي ثم عمل الرومان على زيادة أعدادها وأحجامها وظلت تستخدم خلال العصرين البيزنطي والعربي. يرجع صهريج النبي دانيال إلى أواخر العصر البيزنطي ويعتبر من الصهاريج الصغيرة، فهو عبارة عن حجرة مربعة بجدران من الحجر الجيري، والجدران والسقف والأرضية مغطاة بطبقة من الجص الأحمر لمنع تسريب المياة، وفي وسط الحجرة يوجد عمود يتصل بالجدران الأربعة لتدعيم بناء الحجرة. وجدير بالذكر أنه تم إكتشاف العديد من الصهاريج مختلفة الأحجام في مناطق متفرقة بالإسكندرية، على سبيل المثال صهريج الأنفوشي، وصهريج النبيه الذي عثر عليه في منطقة الشلالات.
منطقة عمود السوارى
يعتبر عمود السواري من أشهر معالم مدينة الإسكندرية، وهو عبارة عن نصب تذكاري يرجع للعصر الروماني. بعد تأسيس مدينة الإسكندرية عُرفت منطقة عمود السواري بإسم "أكروبوليس" أي المكان المرتفع الذي تقام فيه المعابد، لذلك ليس فقط عمود السواري هو الذي يميز هذه المنطقة ولكن أيضاً كشفت الحفائر عن معبد السرابيوم الخاص بعبادة الإله سيرابيس، ويُعتبر هذا المعبد من أهم المنشآت التي ترجع للعصر البطلمي. وكشفت الحفائر أيضاً عن صهاريج مياه تمتد في باطن الأرض جنوب عمود السواري، وقناة مياه تمتد تحت الأرض لتنتقل إليها مياه الأمطار عن طريق ممر منحدر يمتد من قمة تل السرابيوم إلى هذه القناة التي ترجع للعصر البطلمي. وتختلف الصهاريج في منطقة عمود السواري عن الصهاريج التي تم الكشف عنها بمناطق أخرى في الإسكندرية حيث أن صهاريج عمود السواري لا تأخذ شكل حجرة ولكن تمتد على صورة طرقات تحت الأرض.
مقبرة كوم الشقافة:
تقع مقبرة كوم الشقافة في حي كرموز حيث كانت تقع الجبانة الغربية وتُعد من أهم المعالم الأثرية بمدينة الإسكندرية، وقد تم إكتشاف المقبرة عن طريق الصدفة عندما سقطت عربة يجرها حصان في حفرة وهذه الحفرة تقع خلف المقبرة. ترجع مقبرة كوم الشقافة إلى العصر الروماني تحديداً القرن الأول الميلادي وظلت مستخدمة حتى أوائل القرن الرابع الميلادي. سمي الموقع "كتاكومب كوم الشقافة" لأنها تشبه في تصميمها مقابر الكتاكومب التي اتشرت في إيطاليا في القرون الثلاثة الأولى الميلادية، وهو ما يعني الحفر في الصخر أي أن التوابيت منحوتة في الجدران. تتكون مقبرة كوم الشقافة من ثلاثة طوابق تحت الأرض، لها سلم حلزوني يلتف حول بئر عميق كان يتم إنزال الجثث من خلاله، بنهاية السلم الحلزوني يوجد الطابق الأول الذي يتميز بوجود صالة مستديرة بها مقاعد نصف دائرية، وعلى يسار الصالة يوجد درج يؤدي إلى الطابق الثاني الذي يحتوي بدوره على سلم آخر يؤدي إلى الطابق الثالث، وأهم ما يميز هذه المقبرة هوما بها من زخارف ونقوش تجمع بين الرموز اليونانية والرومانية وكذلك الفرعونية.
تل كوم الدكة:
يُعتبر تل كوم الدكة تلاً صناعياً حيث أنه تكون من رديم المباني التي تهدمت وتراكمت في هذه المنطقة التي كانت هي وسط المدينة في العصر الروماني المتأخر بدءًا من القرن الرابع الميلادي. كشفت الحفائر الأثرية بمنطقة كوم الدكة عن العديد من بقايا الفترة الرومانية مثل المدرج المعروف بإسم المسرح الروماني، والحمامات الإمبراطورية والسراديب والأفران الملحقة بها، وقاعات الدراسة، وكذلك المنازل البيزنطية، كما تم الكشف عن ثلاثة صهاريج ترجع إلى العصر العربي. أوضحت الحفائر أن هذا الموقع كان يمثل منطقة سكنية بطراز يوناني خلال القرنين الأول والثاني الميلاديين إلى أن هدمت في أواخر القرن الثالث، ثم استغل المكان مرة أخرى لنوع جديد من المنشآت السكنية تميزت بأن كل منزل كانت تلحق به ورشة للصناعات والحرف البسيطة.
وبذلك فإن الحفائر الأثرية بمدينة الإسكندرية قد كشفت عن العديد من النتائج التي تُعد مصدراً هاماً للمعلومات عن تاريخ المدينة وما مر عليها من عصور، ومن المؤكد أنه مازال هناك الكثير والكثير مما تحتفظ به المدينة من أسرار تحت أرضها التي نعرفها اليوم.