لا تنطفئ جذوة الإبداع غالباً بسبب المرض أو الشيخوخة، بل قد ينطفئ وهجها وروح أصحابها وهم على قيد الحياة، حين تحاصر الظروف الصعبة المبدعين، وتهمشهم شركات الإنتاج، وتضطرهم للجلوس فى بيوتهم بلا عمل، وهو ما حدث مع عدد كبير من كبار المخرجين والمؤلفين والممثلين، الذين أنهى التجاهل والإهمال رحلتهم الفنية قبل سنوات طويلة من رحيلهم عن الدنيا.
وكم من مخرج كبير جلس فى بيته ينتظر مشروعا يليق بتاريخه فلا يأتي؟.. وكم من مؤلف صاحب بصمة استثنائية توقف عن الكتابة للسينما أو التليفزيون لأن السوق لم يعد يبحث عن الفكر، بل عن المنتج الأسهل والأسرع ربحا؟.. وكم من ممثل يمتلك طاقة هائلة ظل سنوات طويلة لا يظهر إلا فى أدوار هامشية، بينما تتصدر المشهد أسماء أقل موهبة وأكثر قدرة على التكيف مع معادلات السوق؟
المشكلة ليست فى نقص المواهب ، وإنما فى آليات الإنتاج التي أصبحت تتحكم فيها اعتبارات تجارية ضيقة، وعلاقات شخصية ومجاملات، وأحيانًا قرارات يتخذها أشخاص لا يملكون الخبرة الفنية الكافية للحكم على قيمة الأعمال أو أصحابها.
فى الماضي، كان النجاح التجاري مهما ولكنه لم يكن المعيار الوحيد، وكانت هناك مساحة للمغامرة، وللأعمال التي تصنع تاريخا حتى لو لم تحقق أعلى الإيرادات، أما اليوم، فقد أصبحت حسابات السوق أكثر قسوة، وأصبح المنتج يبحث غالبا عن الاسم الذي يضمن التسويق، لا عن الموهبة التي تضمن البقاء.
والنتيجة أننا فقدنا عشرات الأعمال التي كان يمكن أن تثري تاريخ الفن المصري لو أُتيحت الفرصة لأصحابها، وفقدنا معها سنوات من عمر مبدعين عاشوا الإحساس المؤلم بأن لديهم ما يقدمونه، لكن أحدا لا يريد أن يسمعه.
والأخطر أن المشهد يتكرر الآن مع جيل جديد من المبدعين ، وهناك كُتاب ومخرجون وممثلون وموسيقيون وغيرهم من أصحاب المواهب الحقيقية، يقفون خارج دائرة الضوء، ليس لأنهم أقل موهبة، بل لأن من يملكون مفاتيح السوق لا يرون إلا بعض الأسماء، أو لأن بعض الدخلاء على المهنة أصبحوا أصحاب القرار فى اختيار من يعمل ومن يبقى خارج اللعبة.
والحل لا يكمن فى مصادرة حرية السوق، فالدراما والسينما فى النهاية صناعتان تحتاجان إلى الربح حتى تستمرا، ولكن السوق يحتاج أيضا إلى مؤسسات تحمي القيمة الفنية، وصناديق تمويل تدعم المشاريع الجادة، ولجان مشاهدة مستقلة تضم أصحاب الخبرة، ومهرجانات ومنصات إنتاج تمنح الفرصة للمواهب الجديدة، وتشجع فى الوقت نفسه على عودة الكبار الذين ما زالوا قادرين على العطاء.
كما أن المسؤولية تقع على عاتق الدولة والنقابات والمؤسسات الثقافية والقطاع الخاص معا، لأن الحفاظ على المبدعين ليس رفاهية، بل استثمار فى القوة الناعمة التي صنعت اسم مصر لعقود طويلة، حتى
لا يبقى لدينا مبدعات ومبدعون مع وقف التنفيذ!
«الجواهرجي» الحائر بين الأصلي و «الفالصو» !
مثلما ذكرتُ فى مقالات سابقة، فإن " كوميديا الكوميكس " كما اسميتها اكتسحت موسم أفلام الصيف، وأعني بها تلك الأفلام التي تبدو فيها الشخصيات كارتونية، أو خيالية تذكرنا بقصص الكوميكس، مما يسمح بمشاهد حركة مبالغ فيها، وغير واقعية.
أما فيلم "الجواهرجي"، الذي كتبه عمر طاهر، واشتركت فى السيناريو يسر طاهر، وأخرجه إسلام خيري، فقد بدا فى معظم أوقاته كوميديا إجتماعية تناقش مسألة فتور العلاقات الزوجية، ولكن صنّاعه أصابهم القلق بسبب هذا الإختلاف، أو ربما شعروا بأنهم أمام تمثلية سهرة تليفزيونية محدودة الأفق، فجعلوا الأجزاء الأخيرة من الفيلم أقرب إلى "أفلام النصب" و" النصب المضاد"، والتي انهمرت علينا بعد نجاح سلسلة "عصابة أوشن" الأمريكية، إلا أن هذه "الكمالة الدرامية" فى فيلم الجواهرجي ظلت غير مقنعة، وغير متسقة مع الإطار الإجتماعي الاصلي، ولم تكن النتيجة جيدة فى كل الأحوال.
لا بأس من تقديم كوميديا العلاقات الزوجية، ولكن مشكلتها الكبرى فى براعة المعالجة، فهذا النوع من الكوميديا استأثرت به تقريبا الدراما التليفزيونية، لأنه قائم على صراع القط والفأر، والمقالب المتبادلة، والجولات المتتالية، كما أن الدراما العائلية مناسبة للفرجة المنزلية، بتفاصيلها الحميمة، وبعلاقاتها المحدودة والمغلقة.
وفيلم "الجواهرجي" يلعب منذ البداية فى منطقة الخلافات الزوجية، ووجود مستشار للعلاقات الأسرية يحاول إصلاح العلاقة بين اثنين متزوجين، قبل أن ينهار زواجهما، فى محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وهي لعبة درامية قدمت فى أفلام كثيرة، فكيف تناول فيلمنا هذه اللعبة؟
عمرو (محمد هنيدي) جواهرجي ثري أصابه الملل من علاقته مع زوجته ياسمين (منى زكي)، نعرف أنه طلقها مرتين من قبل، ثم عادا إلى بعضهما، لا نعرف عملا للزوجة، سوى أنها تهوى نحت تماثيل رديئة، وتهوى إعداد الطعام الصحي، بالإضافة الى رعاية طفلتها الصغيرة، بينما يحاول الزوج أن يبحث عن علاقات خارج محيط حياته الرتيبة.
لن نعرف شيئا عن أسباب الانفصالين السابقين ثم العودة، ولا يوجد تأسيس جيد للعلاقة بين الزوجين، سوى أنهما يحبان بعضهما، ورغم وصول الأمر إلى طلب طلاق جديد من ياسمين بعد موقف مفتعل فى محل المجوهرات، فإن عمرو وياسمين يوافقان على اللجوء إلى خبير علاقات أسرية تعرفا عليه هو كريم (أحمد السعدني)، وكانا قد تعرفعا عليه فى عيد ميلاد ليلى (تارا عماد) صديقة ياسمين.
يبرر الزوج تردده فى الطلاق هذه المرة لارتفاع قيمة مؤخر الصداق، وهو سبب غريب بالنسبة لجواهرجي ثري، وبالنظر إلى حياة عمرو الزوجية الجافة القاسية، المهم أن الزوجين سينفذان فى معظم زمن الفيلم خطوات برنامج متعدد المراحل، لكي يستعيدا علاقتهما المفقودة، وسيسير الفيلم تقريبا فى هذا الإطار المحدود، والذي جعل الدراما أقرب إلى تمثيلية متعددة الحلقات، بعضها تقليدي وعادي، وبعضها ظريف وطريف، لعل أفضل مواقفها الكوميدية، عندما يصبح الزوجان فى حالة غير طبيعية بسبب الخمور والمخدرات، فيعتقدان أن التماثيل تتحرك فى المنزل، وفى مشهد ظريف آخر يذهبان لقضاء شهر عسل جديد، فتنكسر ساق ياسمين، ولا يستطيع عمرو إنقاذها لأنها قيّدته فى السرير.
يبدو أفق اللعبة محدودا للغاية، ويعاني من الافتعال سواء فى اقتراحات الخبير، والتي يصفها عمرو أكثر من مرة بأنها نوع من النصب، أو من حيث عدم تغير الزوجين فعليا نتيجة هذا "العبط المستمر"، ومع ذلك يتواصل اللعب، وينفذ الزوجان برنامج الخبير كاملا، إلى أن يحدث التحول فى الثلث الأخير فى الفيلم، وكاننا فى فيلم جديد، أو على الأقل وكأن السيناريو فى حاجة إلى إعادة كتابة، لتأسيس أفضل لشخصية الخبير، أو لإعادة النظر فى العلاقة العاطفية بين كريم وليلى، أو لتأسيس أفضل لعلاقة والدة عمرو (لبلبة)، ووالد ياسمين (الراحل أحمد حلاوة)، وأهمية تنسيقهما فى اللعبة القادمة لإعادة العلاقات بين عمرو وياسمين.
وبدون أن أفسد هذا الجزء على المشاهد، فإنه جزء مفتعل وغير مقنع، من حيث تفصيلاته، أو من حيث لعبة النصب البعيدة عن لعبة الإصلاح العاطفي بين الزوجين، فليست القضية فى مدى محبة عمرو أو ياسمين لابنتهما، ولكن المسألة الأصلية فى مدى قدرة عمرو وياسمين على التغيّر، وقد ساد الافتعال فى هذا الجزء حتى فيما يتعلّق بتركيبة شخصية عمرو وياسمين، بإشارات مباشرة من والد ياسمين ووالدة عمرو، وكأن كل شىء يمكن أن يتغير بسهولة فى لمح البصر.
لم يحلّ الخبير شيئا، ولم تفعل أزمة النهاية شيئا بخلاف إظهار سذاجة وحماقة والدة عمرو ووالد ياسمين، ولأننا لم نعرف أصلا سبب عودة الزوجين بعد انفصالين سابقين، فلا أظننا نحتاج إلى أسباب لعودتهما الجديدة، ولا يوجد ما يدعو لأن نصدّق أنهما تغيرا، لمجرد أن ابنتهما كانت فى خطر.
بين دراما إجتماعية تقليدية شحيحة الضحك، و"كمالة درامية" صعبة التصديق، نعيش تجربة "الجواهرجي"، الحائر فى تحديد معنى حكايته، وموضع الصراع، يضاف إلى ذلك طول المشاهد الحوارية إلى حد ما، رغم الجهد الكبير الذي بذله المخرج إسلام خيري فى استخدام المونتاج، وكثرة اللقطات فى المشهد الواحد، إلا أن ذلك لم يكن كافيا فى محو هذا الطابع المسلسلاتي عن معظم مشاهد الفيلم.
أما عودة الثنائي محمد هنيدي و منى زكي معا بعد سنوات طويلة فلم تكن موفقة، بدا الاثنان أكبر سنا من دوريهما، وكانت هناك حلقة مفقودة فى أداء المشاهد الكوميدية، حتى تلك المكتوبة بشكل جيد، هذا إحساس قد لا يكون صحيحا، وربما يكون مصدره المقارنة بحيوية أدائهما وهما فى سن الشباب، وفى كل الأحوال فإن نتيجة العودة لم تكن على مستوى التوقعات.
ربما كان أحمد السعدني الأكثر توفيقا بالذات بعد معرفة مفاجأة النهاية حول طبيعة شخصيته، إلى حد كبير يمكن أن يكون مقبولا أن ينخدع البعض بطريقته البسيطة، وبالعبارات الأجنبية التي يستخدمها فى حديثه.
"الجواهرجي" فيلم يقدم ضربات طائشة فى عدة اتجاهات، ينتقد الطلاق، وخبراء العلاقات العاطفية، والنصب والنصابين، ويقدم نصائح اجتماعية، ولعبة بوليسية، دون أن يضبط كل هذه الخطوط، ودون أن يميز بين الأصلي و"الفالصو".