«تحدث هذه الظاهرة دائمًا بالطريقة نفسها: الانقباض العنيف فى عضلات الأطراف الفردية، تمامًا كما لو كان الحيوان المُجهز مصابًا بمرض التيتانوس، ويتم استثارته فى نفس الوقت الذى يتم فيه تفريغ الشرارات الكهربية» كان هذا مقطع من بحث جالفانى والذى وصف فيه الكهرباء فى جسم الضفدعة وكيفية تحكمها فى عضلات الجسم.. كان السجال العلمى بينه وبين فولتا على أشده، وانقسم المجتمع العلمى ما بين مؤيد لجالفانى وتجربته الرائدة وبين فولتا ووجهة نظره.. اهتم جالفانى فى تلك الفترة بعمل تجربة هى الأروع من وجهة نظرى ليثبت أن مصدر الكهرباء فى الضفدع داخليًا وليس خارجيًا، قام جالفانى بقطع العصب الوركى لأحد الضفادع ثم لامس عضلة فخذ ضفدع آخر باستخدام الطرف المقطوع للعصب الوركى من الضفدع الأول فانقبضت عضلات الفخذ للضفدع الثاني.
كانت هذه التجربة هى أقوى دليل على أن مصدر كهرباء الحياة داخلى وليس خارجيًا.. استمر فولتا على الناحية الأخرى فى معارضة نتائج تجارب جالفانى ووقف نصف المجتمع العلمى فى ذلك الوقت كما ذكرت بجانب فولتا وأيد وجهة نظره بأنه لا وجود للكهرباء الحيوية داخل أجسام الكائنات الحية.. فى خضم ذلك الجدل الدائر بين العالمين حول حقيقة الكهرباء الحيوية ماتت زوجة جالفانى فى عام 1790 عن عمر يناهز الـ 47 عاما وقبل أن ينشر زوجها ورقته العلمية التى تؤكد بلا شك وجود كهرباء فى داخل أجساد الكائنات الحية.. ماتت فانطفأت معها كهرباء حياة جالفاني.
كان يحبها كزوجة وعالمة ولم يكتب له القدر أن يرزق منها بأطفال.. مرت السنوات الأخيرة فى حياة جالفانى بدون وجود أى ضوء يعطيه الأمل فى المستقبل.. ماتت زوجته وهو فى عامه الـ 53.. تم فصله من الجامعة لأنه لم يبايع نابليون بونابرت بعد تأسيسه للجمهورية الألبية التى أنشأها فى شمال إيطاليا حتى تكون بمثابة حصن دفاع للجمهورية الفرنسية من ناحية جنوب الشرق للبلاد.. عاد بعدها جالفانى إلى منزل والده القديم يعتصره الألم بسبب ما وصل إليه حاله.
حاول الكثير من السياسيين إقناع نظام بونابرت بإعادة جالفانى للجامعة، وبالفعل نجحوا فى ذلك لكن القدر لم يمهلهم الكثير فقد غادر جالفانى الدنيا فى عام 1798 تاركا بعده إرثًا علميًا عظيمًا لواحد من أهم الاكتشافات العلمية فى العصر الحديث... الكهرباء الحيوية.. تحية تقدير وإعزاز إلى الثنائى العلمى الرائع لوتشينا وجالفاني.
مرت عقود بعد رحيل لوتشينا وجالفاني، والبحث فى مسألة الكهرباء الحيوية خامد لا يطرق بابه أحد.. ثم جاء جيوفانى ألديني، عالم وطبيب إيطالى ولد فى عام 1762.. درس الطب والفيزياء فى جامعة بولونيا، كان عالما وطبيبا نابها، ولم لا فعمه هو جالفاني، ويبدو أنه تأثر بعمه، فبدأ بعد تعيينه أستاذًا للفيزياء فى جامعة بولونيا بدراسة الكهرباء الحيوية فى الكائنات الحية كما كان يفعل جالفاني. أخذ ألدينى على عاتقه نشر نتائج أبحاث عمه فى جميع المحافل العلمية الأوروبية، ليس ذلك فحسب، لكنه بدأ أيضا فى إجراء نفس التجارب التى كان يقوم بها عمه لكن فى هذه المرة على الإنسان! كانت العادة فى تلك الفترة فى بعض بلدان أوروبا أن يتم إعدام القاتل وتشريح جثته مباشرة بعد موته حتى لا يستطيع أن يبعث يوم القيامة كما كانوا يعتقدون.. فى عام ١٨٠٣ كانت هناك محاكمة لشخص يدعى جورج فورستر فى لندن.. اتهم هذا الشخص بقتل زوجته وابنته ورأت المحكمة أنه مذنب وحكم عليه بالإعدام.
بعد تنفيذ الحكم تم أخذ الجثة وإعطائها للعالم ألدينى ليجرى عليها تجاربه.. بدأ ألدينى بإرسال شحنات كهربائية لعضلات الرقبة والفكين فاهتز الفكان! وفزع كل من حضر تلك التجربة ظنا منهم أن القتيل قد عاد إلى الحياة.. ليس هذا فحسب فعندما استخدم ألدينى الكهرباء لإثارة عضلات الذراعين والقدمين انتفض الرجل من رقاده وكأنه قد عاد بالفعل للحياة.. انتشرت أخبار التجربة فى أنحاء إنجلترا بل أوروبا كلها وبالغ البعض فى وصف ما حدث ووصل الأمر إلى أنهم قالوا بأنها تجربة إحياء الموتى.. كانت أهم نتيجة جناها العالم الإيطالى ألدينى من تلك التجربة هو ذيوع شهرة عمه جالفانى والتأكيد على أن نتائجه كانت حقيقية وأن هناك تيارًا كهربيًا يسرى فى الجسم حتى وإن كان ميتًا، وذلك بالطبع لفترة قصيرة بعد الوفاة.. بعد ذلك بعدة أعوام وبالتحديد فى عام 1818 نشرت الروائية الإنجليزية ميرى شيلى رواية فرانكنشتاين وذكرت أن هاجس تفكيرها وهى صغيرة فى التجربة التى قام بها ألديني، «الجالفانيسم» نسبة إلى جالفاني، وهو الاسم الذى سميت به جميع التجارب التى أجريت ب الكهرباء على الكائنات الحية بعد ذلك، كانت هى المحرك الرئيس لكتابة هذه الرواية.
استمر ألدينى فى إجراء تجاربه الهادفة لفهم تأثير الكهرباء على الكائنات الحية حتى توفى فى ميلانو عام 1834 بعد أن ساهم فى إبقاء فكرة الكهرباء الحيوية مستمرة.. من بعده بدأ زخم فكرة الكهرباء الحيوية يزداد شيئا فشيئا وبدأ العلماء يفكرون فى طريقة أخرى لإثبات وجود الكهرباء الحيوية بخلاف طريقة انقباض العضلات التى ابتكرها جالفاني.