مصر والقضية الفلسطينية

تسارعت الأحداث بداية الأسبوع الماضي، بعد قيام إسرائيل بتوجيه آلتها العسكرية إلى غزة، وسقوط أكثر من 47 شهيدًا بينهم 15 طفلا، و4 سيدات، وارتفاع حصيلة المصابين إلى 360 مصابًا، بحسب بيان وزارة الصحة الفلسطينية، خلال 66 ساعة من القصف الإسرائيلي، الذي استهدف 165 هدفا لحركة الجهاد الإسلامي، خلال العملية على مدار ثلاثة أيام، وردت حركة الجهاد بإطلاق أكثر من 1000 صاروخ، بحسب إسرائيل استطاعت القبة الحديدية التصدي لغالبيتها.

حالة من القلق انتابت العالم، وسط انشغال عالمي بما يحدث على البحر الأسود، من أحداث بين روسيا وأوكرانيا، وما يحدث فى مضيق تايوان بين بكين وتايبيه.

ووسط انشغال العالم بأزمات الشمال والشرق، كانت أحداث المنطقة (الشرق الأوسط) تحتاج إلى تدخل عاجل لوقف التصعيد والحفاظ على الدماء الفلسطينية.

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي، قد وجه بضرورة الوصول إلى حل لوقف إطلاق النار، ووقف التصعيد الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني.

وتحرك صقور مصر لتنفيذ المهمة، فى إطار إيجاد حل لوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وإعادة التهدئة.

ولأن القضية الفلسطينية، هي القضية المركزية للدولة المصرية، وتتصدر ملفات مصر الخارجية، دائما ما يكون التحرك المصري سباق فى ذلك الاتجاه، حفاظا على الحقوق وحقنا للدماء الفلسطينية.

كما أنها تأتي ضمن ثوابت الدبلوماسية المصرية، التي تدعو دائما لسلام حقيقي مبني على احترام القانون الدولي، واستعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه المشروعة، وفق القرارات الدولية التي تنص على إقامة دولته على حدود ما قبل 5 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشريفة.

التحرك المصري الذي أشادت به القوى الدولية والإقليمية والعربية، وثمنته المنظمات الدولية، لم يأت من فراغ، إنما من مرتكز غاية فى الأهمية، وهو الثقل الذي تمتلكه مصر لدي جميع الأطراف، وحرصها الدائم على تحقيق سلام عادل وشامل فى المنطقة، كما تمتلك ثقة القوى الدولية فى التحركات المصرية.

فقد جاء نص القرار «وقف إطلاق النار بشكل شامل ومتبادل عند تمام الساعة 11:30 بتوقيت فلسطين مساء يوم الأحد 7 أغسطس الجاري، فى وقت ستبذل فيه مصر جهودها، وتلتزم بالعمل على الإفراج عن الأسير خليل عواودة ونقله للعلاج».

كما نص الاتفاق على «أن تعمل مصر على الإفراج عن الأسير بسام السعدي فى أقرب وقت ممكن».

عقب إعلان وقف إطلاق النار، رحبت حركة الجهاد الإسلامي بالقرار، ورحبت إسرائيل أيضا، كما أشادت القيادة الفلسطينية بالدور المصري.

وتوالت الإشادات الدولية بنجاح التحركات المصرية فى الوصول إلى الهدف (وقف إطلاق النار بين الجانبين).

ففي الوقت الذي كانت بعض دول العالم تلقي بمجموعة من كلمات الشجب والإدانة والتحذير من مغبة استمرار القصف الإسرائيلي لقطاع غزة، كانت هناك دولا أخرى تساند إسرائيل.

ولم يصل إلى واقع المشهد سوى بيانات أطلقتها الدول، وتناقلتها وسائل الإعلام؛ لكن التحرك على أرض الواقع كان هدفا واضحا للقيادة المصرية، ولم ينتظر لحظة منذ بدأ العدوان الإسرائيلي.

فاستهدف مسؤولو الملف الفلسطيني فى الدولة المصرية، وطبقا لتوجيهات الرئيس السيسي، التوصل لحل عاجل للأزمة، وتم التواصل مع الأشقاء الفلسطينيين والجانب الإسرائيلي على مدار الساعة، للوصول إلى نقطة اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين.

وهو ما تحقق ونجحت فيه مصر، ووجه الرئيس الأمريكي جو بايدن الشكر لمصر وللرئيس السيسي على نجاح الوساطة المصرية فى وقف العدوان.

كما أشاد الأمين العام للأمم المتحدة بالدور المصري، وكذا المبعوث الروسي الخاص للشرق الأوسط، وأشاد المنسق الأممي لعملية السلام فى الشرق الأوسط، وكل من فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، والصين، أشادوا جميعًا، بنجاح مصر فى وقف إطلاق النار.

لم يكن التحرك المصري تجاه القضية الفلسطينية، هو الأول ولن يكون الأخير، فخلال السنوات القليلة الماضية، تدخلت مصر 5 مرات لإعادة التهدئة ووقف إطلاق النار؛ بل أطلقت مبادرة إعادة إعمار غزة فى مايو 2021 لتضع العالم أمام مسئوليته، وتؤكد ضرورة التحرك باتجاه الإعمار لا التدمير والعدوان، إذا كان المجتمع الدولي يبحث عن سلام حقيقي فى الشرق الأوسط.

كما كان التحرك المصري، كما هو دائما، لا يستهدف التدخل فى الشئون الداخلية، لكنه يستهدف الوصول إلى نقاط التقاء بين الجانبين يتم الانطلاق منها باتجاه وقف إطلاق النار وعودة الاستقرار.

لقد جاء تحرك مصر عقب أعنف اعتداء للجيش الإسرائيلي خلال العقد الأخير على قطاع غزة فى يوليو 2014 تحت اسم (عملية الجرف الصامد) وردت عليه كتائب عزالدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس بعملية أطلقت عليها اسم (العصف المأكول) وردت حركة الجهاد بعملية (البنيان المرصوص) واستمر العدوان الإسرائيلي حتى 28 أغسطس 2014 استشهد خلاله 2174 فلسطينيا، منهم 1743 مدنيا (81%) و530 طفلًا و302 امرأة و64 غير معروفين و340 من عناصر المقاومة.

كما جرح 10870 آخرين، منهم 3303 أطفال، و2101 امرأة، كما أن ثلث هؤلاء الأطفال الجرحى سيعانون من إعاقة دائمة. وذلك بحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية.

ونجحت مصر فى وقف إطلاق النار، وعقد بالقاهرة فى أكتوبر 2014 مؤتمرا بحضور 50 دولة ومنظمة دولية، واستهدف جمع أربعة مليارات دولار لإعادة الإعمار فى غزة، حسب الخطة التي تم وضعها لإعادة الإعمار على ثلاث مراحل.

وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت عن الحاجة لبناء89.000 وحدة سكنية و26 مدرسة بالإضافة إلى إصلاحات شاملة فى البنى التحتية.

لكن ما هي إلا سنوات قليلة وعاد التوتر بعد توجيه إسرائيل لعملية عسكرية لقطاع غزة فى نوفمبر 2019، عندما وجهت إسرائيل قذيفة صاروخية من طائرة مسيرة استهدفت قائد المنطقة الشمالية فى سرايا القدس الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي فى غزة، بهاء أبو العطا، فى شقته السكنية فى حي الشجاعية شرق مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاده هو وزوجته.

وردت حركة الجهاد الإسلامي على العملية الإسرائيلية فى معركة أسمتها (صيحة الفجر) لكن الرد الإسرائيلي أسقط أكثر من 34 شهيدا فلسطينيا، وأكثر من مائة جريح، واستطاعت مصر التحرك ووقف إطلاق النار.

وفى مايو من العام الماضي 2021، قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بمحاولة إخلاء سكان حي الشيخ جراح من سكانه الفلسطينيين، واستمرت المواجهات بين الفلسطينيين من سكان الحي وقوات الاحتلال لأكثر من 11 يوما.

وحذرت الأمم المتحدة من عملية الإخلاء القسري للفلسطينيين عن منازلهم فى القدس.

وأعربت وزارة الخارجية عن «بالغ إدانتها واستنكارها لقيام السلطات الإسرائيلية باقتحام المسجد الأقصى المبارك والاعتداء على المقدسيين والمُصلين الفلسطينيين»، مؤكدةً «ضرورة تحمُل السلطات الإسرائيلية لمسؤوليتها وفق قواعد القانون الدولي لتوفير الحماية اللازمة للمدنيين الفلسطينيين وحقهم فى ممارسة الشعائر الدينية»

ومع تدهور الأوضاع فى غزة واكتفاء العالم مرة أخرى بالإدانة والشجب دون تحرك حقيقي، جاء إعلان الرئيس السيسي فى 18 مايو 2021عن تقديم مصر مبلغ ٥٠٠ مليون دولار كمبادرة مصرية تخصص لصالح عملية إعادة الإعمار فى قطاع غزة، مع قيام الشركات المصرية المتخصصة بالاشتراك فى تنفيذ عملية إعادة الإعمار. وذلك خلال مشاركته فى القمة الثلاثية بشأن تطورات الأوضاع فى الأراضي الفلسطينية، والتي عقدت بقصر الإليزيه فى باريس بمشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والملك عبد الله الثاني، ملك المملكة الأردنية الهاشمية.

ونجحت مصر مرة أخرى فى وقف إطلاق النار، وأشاد العالم بالدور المصري لإعادة الاستقرار.

وتم فتح معبر رفح واستقبلت مصر الجرحى من الأشقاء الفلسطينيين للعلاج، كما تم إرسال قوافل من المواد الغذائية ومواد البناء والمواد البترولية لإعادة الحياة إلى طبيعتها فى قطاع غزة.

وبدأت مصر المرحلة الأولى من إعادة الإعمار فى غزة، وفى ديسمبر من العام الماضي بدأت المرحلة الثانية.

وفى نهاية الأسبوع قبل الماضي، عادت إسرائيل لاستهداف قائد المنطقة الشمالية لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي وأطلقت على العملية اسم «الفجر الصادق»، وردت حركة الجهاد على العملية الإسرائيلية بعملية أسمتها «وحدة الساحات»، على إثر ذلك قامت إسرائيل بتوسيع عدوانها على قطاع غزة على مدى 66 ساعة، واستطاعت التحركات المصرية أن تصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين.

وتواصل مصر دورها فى إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني، والعمل على وحدة الصف، من خلال لقاءات جمعت بين الفصائل الفلسطينية بالقاهرة.

كما تعمل القاهرة على تحريك عملية السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لإعلان الدولتين، وفق حدود ما قبل 5 يونيو 67.

الأمر الذي يستوجب تضافر الجهود الدولية فى هذا الاتجاه، وبشكل أكثر فاعلية ليس مجرد تصريحات.

لقد نجحت مصر فى حقن الدماء الفلسطينية وتواصل دعمها للشعب الفلسطيني فى سبيل إعلان دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريفة.

وعلى الجانب الإسرائيلي أن يدرك أن البحث عن الاستقرار والسلام يتطلب تحرك إيجابي باتجاه وقف الاستيطان الإسرائيلي ودعم التهدئة.

إن التحرك المصري بشأن القضية الفلسطينية يأتي انطلاقا من تأكيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، أنه سيظل داعما ومساندا للقضية الفلسطينية بالفعل قبل القول.

وهكذا دائما الدولة المصرية فى تعاملها مع قضيتها المركزية (القضية الفلسطينية)، لكن يبقي على الجانب الإسرائيلي التحرك بإيجابية فى اتجاه السلام، لضمان الاستقرار، خاصة بعد مصادقة محكمة العدل العليا الإسرائيلية منتصف الشهر الماضي على بقاء البؤرة الاستيطانية “متسبيه كراميم” على أراض فلسطينية.

الأمر الذي قد ينذر بأزمة جديدة فى الأفق فى ظل إمكانية تطبيق هذا التكتيك القانوني على آلاف المنازل الأخرى للمستوطنين.

وقد يعيد أزمة حي الشيخ جراح، مرة أخرى، بعد إلغاء حكم المحكمة العليا الصادر فى 2020 والذي كان يقضي بإخلاء المستوطنين لمنازلهم المقامة على أراض ملك لفلسطينيين قاموا بتقديم أوراق ثبوت ملكيتهم للمحكمة.

تحية للرئيس

الأسبوع الماضي دعت وزارة الداخلية براعم وشباب حي الأسمرات لقضاء يوم رياضي وترفيهي باتحاد الشرطة ضمن مبادرة « كلنا واحد».

حالة من السعادة والفرحة كست وجوه الأطفال والشباب خلال ذلك اليوم.

سعادة لا يمكن أن توصف.. وأظن أن الكاميرا لم تستطع أن تعبر عنها، ولا الكلمات.. فالتصرفات التلقائية للشباب والفتيات كانت معبرة عن حجم التغير وجودة الحياة التي أصبحوا ينعمون بها.

فالفتاة التي حرصت على التقاط صورة لها وهي تقدم وردة لصورة الرئيس التي كانت على جدار إحدى الصالات الرياضية، والشاب الذي وقف يقدم التحية العسكرية لصورة الرئيس.

تلك التصرفات التلقائية كانت تعبيرا حقيقيا عن الامتنان الذي يقدمه هذا الجيل من أبنائنا، الذين ظلوا لفترة طويلة بعيدا عن حسابات الدولة، لمن استطاع برؤيته وصدقه وحكمة قراره أن ينقل هؤلاء من المجهول إلى قلب الوطن.

أضف تعليق

«المركزي» في مواجهة التحديات

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين