هلت نسايم النصر.. 500 يوم من البطولات مهدت لمعركة التحرير

هلت نسايم النصر.. 500 يوم من البطولات مهدت لمعركة التحريرحرب اكتوبر
د. نسرين مصطفى

ستظل انتصارات مصر فى حرب أكتوبر 1973 هى الذكرى الاعظم فى تاريخ مصر الحديث حيث سطر مقاتلى القوات المسلحة ملحمة الصمود والتحدى والاصرار على العبور واسترداد ارض سيناء الغالية، ذلك النصر الذى رد لمصر هيبتها ومكانتها وجعل المقاتل المصرية يتبوأ المكانه التى تليق به كخير أجناد الأرض وطهر ارض الفيروز من المستعمر الاسرائيلي، ولم تكن انتصارات اكتوبر 1973 العاشر من رمضان هى انتصار لمصر فقط وانما هى انتصار للأمة العربية كلها اذ تعد أكتوبر 1973 هى الحرب الاولى التى ينجح بها العرب فى احراز نصر كبيرة على العدو الاسرائيلي، وكشفت للعالم عبقرية ودهاء العقل المصري في التخطيط والتنفيذ وكذبت الدعاية الهشة للمعتدين على ارض سيناء فتحطت نظريات اسرائيل الدعائية على صخرة العزيمة المصرية، وتحتفل مصر وشعبها وقواتها المسلحة بذكرى مرور 49 عاما على ذلك النصر التاريخيى الذى كتب بسلاسل من نور فى تاريخ العسكرية المصرية

إغراق إيلات بصواريخ بحرية لأول مرة


كان لاستهتار العدو بقدرات القوات البحرية المصرية سبب فى اقتراب المدمرة إيلات أكبر القطع البحرية الحربية الإسرائيلية من المياه الإقليمية المصرية فى منطقة بورسعيد البحرية إلا أن تلك الانتهاكات انتهت فى 21 أكتوبر1967 حيث أصدرت القيادة أوامرها الفورية بتصدى القوات البحرية المتمركزة فى قاعدة بورسعيد البحرية للمدمرة فتصدت للمدمرة ونجحت فى إغراقها.
أصدرت القوات البحرية أوامر إلى قائد القاعدة البحرية فى بورسعيد بإعداد لنشين من صواريخ كومر مجهزين بصاروخين سطح – سطح والخروج لمهاجمة مدمرة العدو بغرض تدميرها وإغراقها.
هجم اللنش الأول على جانب المدمرة مطلقا صاروخه الأول فأصاب المدمرة إصابة مباشرة وأخذت تميل على جانبها فلاحقها بالصاروخ الثانى ثم تابعه اللنش الثانى بصاروخين آخرين بعد مرور ساعتين تقريبا على الهجوم الأول فأكمل إغراقها على مسافة تبعد 11ميلا بحريا شمال شرقى بورسعيد.
غرقت المدمرة إيلات ومعها 250 فرد بحرى اسرئيلى بصواريخ تطلق لأول مرة فى معركة بحرية تمت بسرعة وعاد اللنشان إلى قاعدتهما فى بورسعيد سالمين وحاز قائد سرب اللنشات على وسام النجمة العسكرية كما وزعت نياشين أخرى على بقية أفراد الطاقم، وكان لهذا العمل الجرئ رد فعل معنوى كبير جدا على قواتنا وخاصة القوات البحرية بينما طالبت الإذاعة الإسرائيلية بالثار لإغراق أكبر قطعة بحرية لدى إسرائيل وقتل عدد كبير من بحارتها، وكان استخدام الصاروخ من لنش بحرى صغير ضد سفينة حربية كبيرة لأول مرة فى تاريخ المعارك البحرية حدثا استدعى مراجعة الأفكار السائدة على مستوى عالمى حول موازين القوى البحرية والتخطيط البحرى للمستقبل.


قدرات جوية فاجأت العدو


كان لمعارك القوات الجوية دلالة ومعنى كبيرًا لدى القوات المسلحة والشعب المصرى خاصة أن إسرائيل كانت تفاخر وتجاهر بقدرة سلاحها الجوى وتطلق عليه "الذراع الطولى" والذى نجح فى تحقيق سياسة التوسع حيث أثبتت قواتنا المسلحة أنها قادرة على استخدام الطائرات السوفيتية بكفاءة وكانت أهم المعارك الجوية فى حرب الاستنزاف فى 11سبتمبر 1969 حين قامت أكثر من 100 طائرة مقاتلة فى تشكيل أسراب لقصف أهداف للعدو على المحور الشمالى من رمانة حتى مصفق والمحور الجنوبى فى متى والحيطان وتمت الغارة بتنسيق جيد مع قوات الدفاع الجوى كما ظهرت قوة القتال على مستوى السرب الكامل وكانت هى العملية الأولى التى تتم على مستوى الأسراب الكاملة قيادة وسيطرة وتوجيها وأكدت للعدو أن قدراتنا الجوية قوية خاصة أن تلك العملية تمت فى يوم واحد.

المدفعية.. وفرض السيطرة


يعد يوم 8 سبتمبر 1968م تحولا كبيرا فى أعمال قتال المدفعية على طول جبهة قناة السويس وكان لبداية مرحلة الدفاع النشط حيث تقرر تنفيذ قصفات نيرانية مركزة ضد جميع الأهداف المعادية على طول مواجهة قناة السويس بعمق 20 كم شرق القناة وكانت خسائر العدو كبيرة حيث دمر له 6 بطاريات مد و13 مم و8 مواقع صاروخ 216مم وتدمير 20 دشمة مد ماكينة، وإسكات 17 بطارية مد وموقع صورايخ 213مم ، ونتيجة لهذا العمل الخالد فقد اعتبرت المدفعية المصرية يوم 8 سبتمبر يوما للمدفعية تحتفل به سنويا فى ذكرى هذا الانتصار العظيم، حيث رفع الروح المعنوية للقوات المسلحة المصرية وليزداد ترابط الشعب بجيشه.
وكان ذلك التاريخ بداية حصول المدفعية على المبادأة النيرانية بتنفيذ قصفات نيرانية مركزة على طول المواجهة كما حدث فى قصف نيران المدفعية المخططة كما كانت تتخذ شكل قصفات نيرانية فى مواجهة قطاعات الجيوش الميدانية أو على مستوى التشكيلات، وقد كانت تنفذ تلك القصفات بمبادأة من قواتنا بغرض ردع العدو وتدمير الصواريخ 216مم و240مم، وتدمير دشم وتحصينات دفاعية للعدو على الضفة الشرقية للقناة واستنزاف العدو وإلحاق أكبر الخسائر الممكنة بالمعدات والأرواح وكانت تلك القصفات أحسن تدريب عملى للقيادة للسيطرة على نيران هذا الحجم الضخم من المدفعية والذى كان يمثل مجموعات مدفعية، والحصول على المبادأة النيرانية وفرض السيطرة على عمق العدو ورفع الروح المعنوية للقوات المصرية.


الصاعقة.. في العمق


تصاعدت العمليات على الجبهة من منتصف 1969 فبدأت الوحدات الخاصة من الصاعقة من عناصر المجموعة 39 قتال بقيادة إبراهيم الرفاعى عملياتها فى عمق العدو فجهزت وحدة ضفادع بشرية من القوات البحرية وأخرى من وحدات الاستطلاع وبالتعاون مع الفدائيين الفلسطينيين فى الأردن وقطاع غزة تم التخطيط لتهديد وضرب العدو فى المنطقة بين ميناء أسدود على البحر المتوسط وميناء إيلات على خليج العقبة مع التركيز على ميناء إيلات وكانت الأهداف المقصودة فى هذه المنطقة هى منشآت البترول ومستودعات ومحطات ضخمة ومنشآت الميناء البحرى فى إيلات وخطوط الملاحة البترولية من مصادرها فى سدر وأبو زنيمة والطور على الساحل الشرقى لخليج السويس حيث تنقل إسرائيل البترول بطريق البحر حول رأس محمد إلى خليج العقبة فى إيلات ليفرغ فى مستودعات وقود كبيرة فى ميناء إيلات ومنها يضخ فى انابيب بترول بطول وادى عرابه إلى ميناء أسدود.
جمعت وحدات الضفادع البشرية والوحدات الخاصة للتدمير على الساحل الشرقى لخليج العقبة جنوب مدينة العقبة وبواسطة قوارب مطاطية تعبر القوة المهاجمة ليلا رأس الخليج إلى مدخل ميناء إيلات حيث تنزل الضفادع البشرية من القوارب إلى مياه الميناء وتسبح حتى تصل إلى هدفها حيث يتم التدمير باستخدام عبوات التدمير اللاصقة أو الألغام وبعدها تعود وحدة الضفادع البشرية سباحة إلى نقطة انتظار القوارب المطاطية التى تنقل أفراد الوحدة المهاجمة إلى الشاطئ الشرقى لخليج العقبة.
وتمت العملية الأولى ضد مستودعات بترول إيلات جنوب الميناء، والعملية الثانية ضد ناقلات البترول الإسرائيلية فى مدخل ميناء إيلات والعملية الثالثة ضد منشات الميناء الرصيف وسفينة نقل جنود والعملية الرابعة ضد محطة ضخ البترول، الأولى شمال مدينة إيلات مباشرة والتى نتج عنها توقف ضخ البترول لمدة شهر والعملية الخامسة ضد مواسير ضخ البترول فى وادى عرابه فى منطقتين فى وقت واحد كما تمت عمليات مماثلة عبر خليج السويس ضد حقل علما وفى سدر وأبو زنيمة والطور وكانت هذه العمليات تتم بواسطة وحدات من الصاعقة والاستطلاع وتعاونها وحدات لنشات بحرية.


رأس العش.. باكورة المعارك


أما القوات البرية فقد كانت صاحبة أول معركة بعد مرور 20 يوما فقط من نكسة 1967 فكانت رأس العش باكورة المعارك لتؤكد على الصمود المصرى والتمسك بالأرض وحسن استخدام النيران، وكانت معركة يونيو 1967 انتهت باحتلال العدو شبه جزيرة سيناء عدا جزء شرق وجنوب مدينة بورفؤاد حيث تمركزت وحدات صغيرة من الصاعقة والمشاة والمدفعية المضادة للدبابات، وقام العدو فى 1يوليو بالهجوم على جنوب الموقع بسرية دبابات مدعومة بكتيبة مشاة ووحدة مهندسين يعاونها سرب طائرات مقاتلة قاذفة وهجم العدو على موقع رأس العش بدباباته ولكنه فشل فطلب معاونه طيرانه فى الهجمة الثانية إلا أنه فشل أيضا ودمرت له ثلاث دبابات وقتل بعض أفراده، وفى المحاولة الثالثة اقتحمت المشاة من الجنب فى الملاحة مؤيدة بنيران الدبابات من المواجهة والطيران من كل جانب ولكنه فشل ايضا لصمود رجال الموقع فكانت النتيجة أن العدو لم يعاود الهجوم مرة أخرى على بورفؤاد.


الدفاع الجوي.. مفاجأة


قررت القيادة فى مايو 1970 دخول وحدات دفاع جوى إلى جبهة القتال وبدأ العمل فى سريه تامة وفشل العدو فى إيقاف العمل فى جميع أنواع الإنشاءات فى مواقع الصواريخ، إلا أن العدو فوجئ فى 30 يونيو 1970 بوجود وحدات صواريخ على الجبهة وكانت أول مواجهة بين صواريخ الدفاع الجوى والقوات الجوية الإسرائيلية وكان أول نجاح حيث استطاعت القوات المصرية إخفاء هذا التحرك عن الأذرع الطولى لإسرائيل، إلا أنه فى نفس اليوم وبعد أن قام العدو استطلاعاته بدأ الهجوم على تجميع الصواريخ وهى الهجمة التى استمرت 20 دقيقة فشل خلالها فى إصابة أى كتيبة، وتمكنت كتائب اللواء من تدمير طائرتين فانتوم وسكاى هوك وأسر 3 طيارين للعدو وقد انتهى قتال العدو فى تلك اليلة بانحسار نشاطه فى الجبهة.


وعاد العدو وهاجم وحدات صواريخ الدفاع الجوى فى 17 يوليو 1970 إلا أن رجال المراقبة بالنظر أبلغوا عن اقتراب العدو مما جعل القيادة تصدر أمرا لكتائب الصواريخ للتعامل مع الطائرات بإطلاق الصواريخ عليها مما جعل العدو يلقى بحمولته دون تدقيق فألقيت فى المواقع الهيكلية وكانت حصيلة هذا اليوم إسقاط طائرة فانتوم وأخرى سكاى هوك وأسر بعض الطيارين وقتل آخرين وكان قتال هذا اليوم تحولا خطيرا فى قتال الدفاع الجوى حيث أمكن بـ 6صواريخ تدمير 3 طائرات 2 فانتوم و1 سكاى هوك بالإضافة إلى 3 طيارين وملاحين لا يقدروا بثمن، وقد حققت تلك المعركة نجاحا كبيرا حيث ابتعد العدو عن مهاجمة صواريخ الدفاع الجوى وانحصر نشاطة فى مهاجمة القوات البرية للجيش الثانى الميدانى على طول جبهة القتال واضعة فى اعتبارها عرقلة عملية إتمام بناء مواقع الصواريخ الأمامية.

أضف تعليق