من ذاكرة الزمن (4).. باخوم 4/10

من ذاكرة الزمن (4).. باخوم 4/10الكعبة

ثقافة23-11-2024 | 14:53

لا يدري " باخوم " كم مكث ناعمًا بمظلة سلطان الكرى ، الحنون في عنفه، العنيف في حنانه، ولكنه استيقظ فوجد هذا الأب الحكيم واقفًا يؤدي صلاته، فانتظره حتى فرغ منها .

والتفت الأب يوحنا إلى " باخوم " وبسمته الحانية لم تزل تكسو وجهه، وكأنَّها جزءٌ أصيل من قسماته،ونظر الأب "يوحنا" إلى "باخوم" وعيناه الطَّيِّبَتَانِ لم يفارقهما صفاؤهما، وكأنَّهُ نقشٌ محفورٌ بين أجفانهما.

وأقبل الأب "يوحنا" على " باخوم "، وجلس أمامه، ثم سأله بحنانٍ أَبَوِيٍّ عمَّا يحزنه، فاسترسل " باخوم " في شكوى بُغضه لحرفة البناء ، وعدم استطاعته أن يمتهن حرفةً غيرها.

وكان "باخوم" يأمل أن يسعى له القسيس ليعمل في حرفةٍ أخرى.

وكان " باخوم " يطمح أن يُزَكِّيه القسيس عند واحد من محبيهٍ من أرباب التجارة أو أصحاب المحال فيلتحق بعملٍ لا يتطلب إلا جهدًا قليلًا، ويدر على مُمْتَهِنه مالًا وفيرا.

ولكن الأب "يوحنا" علَّم " باخوم " أول درسٍ من دروس هذه الحياة، علَّمه أن الإنسان لا يجب أن يستسلم لوساوس نفسه ونزغاتها، فينقاد لها محبًا أو مُبغضا، فلعلَّ ما لا تألفه النفس يكون هو الأليق بها، ولعل ما تأباه الطباع يكون هو الأنسب لها.

ثمَّ حدَّثه عن حرفة البناء وقيمتها وحاجة الناس إليها، وذكَّره بتلك المعابد والإنشاءات الخالدة التي بناها أجداده وارْتدَّت عاديات الزمن عنها وهي على شموخها ورفعتها، وأفنت الخطوب والأحقاب أجيالًا تتبعها أجيال وهي ناعمة بشبابها وفتوَّتِها.

وطلب إليه أن يُقبل على حرفة البناء محبًّا لها راغبًا في حذقها، ووعده إن هو لم يفلح بأن يسعى ليوفر له حرفةً غيرها.

ومكث "باخوم" مع الأب يوحنا يومًا أو بعض يومٍ ثم أخذه القسيس من يده إلى بنَّاءٍ طيبٍ وأوصاه به خيرا.

وأقبل "باخوم" على حرفة البناء بروحٍ جديدةٍ وأملٍ كبير، ورغبةٍ شديدة في أن يتقنها ويبرع فيها.

وكم كان عجبه حين رأى من نفسه إكبارًا شديدًا لها، وكم كان فرحه حين رأى من عقله سرعةً كبيرةً في حذقها، وكم كان شغفه حين وجد من يديه مهارةً فائقةً في إتقانها.

وتمضي الأيام، وإذا به يبدع في تلك الحرفة أيَّما إبداع، ويتقن تلك المهنة أيَّما إتقان.

وما هي ألا بضعة أشهر قليلة حتى ينتقل ليكون متبوعًا بعد أن كان تابعًا، ويكون معلمًا بعد أن كان متعلما.

وما هو إلا عام أو بعض عام حتى يذيع صيته ويكثر طالبوه، ويتحدث الناس بمهارته وإتقانه، فلا يقتصر عمله على قريته، بل يُطلَب للإبداع من أهل القرى الأخرى التابعة لإقليمه، ثم لا يقتصر عمله على إقليمه فيُطلب للعمل في الأقاليم الأخرى من مصر.

وما هي إلا سنوات قليلة حتى يصبح "باخوم" باذلًا للإحسان بعد أن كان مُتلقِّيًا له، وعاطفًا على الفقراء بعد أن كان واحدًا منهم، وراعيًا للأيتام بعد أن كان دليلًا على بؤسهم وهوانهم.

وهو مع ذلك لم يزل مُحِبًّا لحرفته ينتقل بها من قرية إلى مدينة، ومن إقليمٍ إلى إقليم، يُسوِّي في جوده بِفَنِّهِ بين البُسطاء والعظماء، وبين الفقراء وأصحاب الثراء.

وكان كُلَّما علا نجمه زاد للناس حبًّا وعليهم عطفًا وبهم رفقًا، ولفضل الله عليه تواضعًا، حتى أحبَّه الناس لشخصه كما أحبُّوه لعمله، وأُعجب الناس بخُلُقِهِ كما أُعْجَبُوا بفنِّه.

أضف تعليق

بطل الحكاية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان