يعثر المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي دوما على أفكار وحكايات بسيطة جميلة، يحاول أن يعمقها، وأن يقدم السياسي عبر التفاصيل الاجتماعية، مع مزيج من الحس الساخر الانتقادي، والإشارات الواقعية المؤلمة، وهو يصنع دوما سينما جديرة بالاهتمام، على تفاوت حظ كل عمل من النضج وتكامل العناصر الفنية، ولكن رشيد لم يتوقف في كل الظروف، ومحور حكاياته وأفلامه، تسجيلية أو روائية، هو الإنسان الفلسطيني، وظروفه، وتفاعله مع هذه الظروف الصعبة المستمرة.
فيلم أحلام عابرة من تأليف وإخراج مشهراوي، والذى عرض فى افتتاح مهرجان القاهرة السينمائى فى دورته الخامسة والأربعين، فيه أيضا فكرة لامعة وذكية وطريفة، ويمكن أن تحتمل معنى رمزيا، والتفاصيل الواقعية حاضرة كذلك، والفيلم بأكمله يأخذ شكل أفلام الطريق، وفيه الكثير من التعليقات الانتقادية الساخرة، وعلاقة الناس بالمكان.
ولكن التجربة رغم ذلك هناك مشكلات واضحة، سواء فى رسم الشخصيات، أو فى بعض المباشرة، ووضوح الرمز أحيانا، أو بساطة التناول، كما أن الأداء التمثيلى لم يكن جيدا عموما، أى أنه كان يمكن أن تكون التجربة أفضل وأكثر تكاملا.
يقوم بناء الفيلم على رحلة يقوم بها صبى يدعى سامى فى الثانية عشرة من عمره، يهرب من أمه بشرى التى تقيم معه فى مخيم قلندية، لكى يبحث عن حمامة فقدها منذ ثلاثة أيام، وقال له حلاق المخيّم إنها قد تكون قد عادت إلى صاحبها الأصلي، فيذهب إلى خاله كمال فى مدينة بيت لحم، ويخوض مع ابن أخته رحلة عبر مدن فلسطينية مهمة مثل القدس وحيفا، وتنضم إليهما مريم، ابنة الخال، والتى تدرس الصحافة ، فى محاولة للعثور على الحمامة المفقودة.
هنا رحلة تفتح الباب أمام استخدام رمزية هذا الطائر الهارب من المخيم، إلى مدن فلسطينية يحتمل وجوده فيها، وبدون حدود أو قيود، بيما نرى على الأرض تضييقا وتفتيشا من المحتل الإسرائيلي، بل ويتم منع السيارة التى تحمل سامى بمفرده، ويطلب المحتل عودتها، ولا نعرف بالضبط كيف رأينا سامى فى بيت لحم بعدها، ولكن حرية الحمامة، وهروبها من القفص، الذى يحمله سامى معه فارغا، والانتقال على حسّ الحمامة الهاربة، إلى اكتشاف مأساة الاحتلال، الذى يفتش حتى مريم، والذى ينذر صاحب دكان فى القدس بالإخلاء، كل ذلك، حقق مفارقة قوية بين حرية الطائر، وواقع الفلسطينيين المقيّدين الذين يبحثون عنه، والذين يحاولون إعادته إلى القفص !
فى مستوى آخر فإن الحمامة صارت رمزا للسلام، منذ اختارها بيكاسو، وهروب الحمامة من الصبى سامي، الذى يمثل الجيل الأحدث، ويمثل المستقبل، يأخذنا إلى معنى ابتعاد السلام عن أرض السلام ، وتحوله إلى حلم هارب وعابر، وهذا معنى تؤكده حكايات متواصلة ومتناثرة طوال الرحلة عن معاناة الفلسطيني، وطرده، والتضييق عليه، رغم محاولات السلام المستمرة، وهكذا تتحول الحمامة من رمز للسلام ، إلى سفير لنقل الرسائل من سامى إلى والده المعتقل.
لاتوجد شخصية فلسطينية فى الفيلم لا تعانى من التضييق: والد سامى اعتقل لأنه دافع عن نفسه ضد المستوطنين، وصديق الخال فى القدس ينتظر الطرد من متجره الصغير، ويقول إنه كتب وصيته، وسامى وأمه فى مخيم بائس، وكمال له متجر صغير للتذكارات فى بيت لحم، يساهم فى مصروفات أسرته، ويعمل أيضا فى مشغل لإنتاج التذكارات الدينية، المسلمة والمسيحية، والكاميرا تلتقط تفاصيل مستمرة لتماثيل المسيح المصلوب، أو لمصغّر يمثل قبة الصخرة، أما مريم، التى تحلم أن تكون مراسلة صحفية، وتكرس مشروعها المصور للحوار مع سامي، فهى تتعرض للإهانة والتكدير والتفتيش.
لكن مشكلات درامية كثيرة سرعان ما تبدأ فى الظهور، مع التأكيد المباشر، وربما التفسير، لمعنى حرية الحمامة، ومع عدم التأسيس الجيد لشخصية سامى المحورية، الذى يبدو تمرده ، وحضور شخصيته القوية، متناقضا مع عدم قدرته على تحديد ما يريد من مستقبله، كما يبدو شخصا منعزلا ومنفردا وغامضا، فيما أعتقد أنه يمثل جيلا قادما قويا، كما أن تجاوب الخال مع طلب سامى بسهولة، يبدو أمرا غريبا النظر لانشغال الخال، وغرابة مطلب الابن فى مستواه الواقعي.
وإذا كان مشهراوى قد نجح فى الانتقال السلس بسيارة الخال الحمراء من مدينة إلى أخرى، وبطريقة مقنعة، إلا أن حكاية كمال مع أخته بشرى، والدة سامي، واتهامها لأخيها كمال بمسؤولية ما عن القبض على والد سامي، لم تكن قوية أو مقنعة فى تفاصيلها، كما لم يكن مقنعا على الإطلاق تنازل سامى عن مطلبه بالبحث عن الحمامة نهائيا، بعد كل هذا الجهد، رغم دلالة هذا التخلى عن البحث على المستوى الرمزي.
الحقيقة أن السخرية والتنكيب المباشر امتزجا إلى حد ما مع الواقع المرير، خاصة مع التوظيف الجيد للموسيقى، ولرنات العود فى مشاهد كثيرة، ولكن المستويين الرمزى والواقعى لم يكونا على نفس الدرجة والموجة، والبحث عن الحمامة على سطوح بيت سامي، ودخول الخال كمال للقاء أخته بشرى بعد سنوات من القطيعة، يأخذنا إلى مصالحة داخل البيت الفلسطينى نفسه، بينما يعتمد بناء الرحلة فى معظمها على مواجهة الفلسطينى للإسرائيلي، فالبحث فى منزل حيفا يتم مثلا بعد انتقال ملكية المنزل من سيدة فلسطينية، إلى مهاجرين يهود من روسيا .
عنوان الفيلم أيضا مفتوح التأويل المربك، فيمكن أن يكون المقصود بالحلم العابر وعود السلام، أو وعود المصالحة الداخلية، أو حلم العثور على دولة، والذى يبدو أصعب من إنشاء طريق فى البحر، كما جاء فى نكتة بالفيلم، وربما يكون المعنى فى كل هذه التأويلات مجتمعة، ولكنه عموما عنوان غامض، وكان من الأفضل أن يرتبط العنوان ب الحمامة الهاربة، والتى ينتهى الفيلم دون عودتها أو العثور عليها، ولكن بعد أخذت الفلسطينى من المخيم إلى المدن المفقودة أو المحتلة، بل ووصلت به إلى ميناء حيفا، الذى صار اليوم ميناء إسرائيليا.
ينتقد مشهراوى المحتل بالتأكيد، فهو أصل المأساة، ولكننا نسمع منه عبر الحوار انتقادات لحكومتين فلسطينيتين ترفعان شعار حماية القدس، بينما ينهب الاحتلال الأرض، وينزع ملكيتها، ويكتسحها المستوطنون، بمساعدة وتمكين الحكومة الإسرائيلية .
قد يكون الفيلم فى النهاية بعيدا عن التكامل، لأن البذرة الجيدة لم تخرج شجرة مثمرة، ولأن الصوت كان يعلو أحيانأ، ولكن فكرة الحمامة التى هزمت حواجز الإحتلال، والتى استعادة الوطن فى رحلة، لهى حقا فكرة جديرة بالاهتمام.
دعونا نأمل ألا تعود الحمامة إلى القفص، وأن يتحرر المعتقلون، وأن تسقط حواجز التفتيش، وأن يعود كل لاجيء من مخيمه إلى مدينته، وأن يحقق جيل سامي، وجيل مريم، ما فشل فى تحقيقه جيل كمال.