حامل المسك.... (12) كمال الحب

حامل المسك.... (12) كمال الحبصورة تعبيرية

الدين والحياة3-12-2024 | 13:59

الأصل في العبودية لله تعالى أن تقوم على محورين متكاملين هما كمال الحب، وكمال الذُّل.

و كمال الحب معناه ألا يجعل لله تعالى نِدًّا في الإخلاص له والسعي لنيل مرضاته، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ. وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للهِ) سورة البقرة، الآية 165 .
والنِّدِّيَّةُ المُشار إليها في الآية هي نِدِّيَّةِ الحُب لا نِدِّيَّةِ الربوبية، فإنه من المستحيل أن يكون لله سبحانه وتعالى نِدٌّ في ربوبيته لعباده، أمَّا الندية المقصودة في الآية فهي أن يكون في قلب الإنسان محبة لغير الله سبحانه، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"
و كمال الحب هو أن يكون كل حبٍ في حياة الإنسان أصله محبة الله تعالى، فيكون كل محبوب هو محبوب لله ويكون حب الله هو الحب الأعظم المهيمن على خطرات القلوب وخلجات النفوس، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وَجَدَ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أَحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن استنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار".
وقد كان السلف الصالح يضربون الأمثلة لما يريدون توضيحه من غوامض المعاني، بما قالته العرب من محاسن الأشعار، وقد سُئل أحد العارفين عن معنى كمال المحبة لله تعالى وكيفية الوصول إلى هذا الكمال، فما كان منه إلا أن تمثَّل ببيتين من الشعر العربي، جعل حاضري مجلسه يدخلون في نوبةٍ من البكاء عنيفة، حيث أنشد قول الشاعر:
وهَانَ عليَّ اللَّوْمُ فِي جَنْبِ حُبِّهَا وَقَوْلُ الأَعَادِي إِنَّنِي لَخَلِيعُ
أَصَمُّ إِذَا نُودِيتُ بِاسْمِي وَإِنَّنِي إِذَا قِيلَ لِي يَا عَبْدَهَا لَسَمِيعُ
فالمحب لله ينقاد لأوامره مهما كان الناس من حوله عصاةً مجترئين، ومهما لاقى العبد في سبيل ذلك من كيدٍ وعنت، ومهما كان العالم من حوله يصفه بأبشع وأحطِّ الصفات، ويرميه بأخَسِّ وأحقر التُّهَم، ثم إن العبد لا يعرف عن نفسه إلا أنه عبدٌ لله تعالى، ومن كمال حبه لله أن تكون صفة العبودية لله هي أحبُّ الصفات إليه، فيختزل كل صفاته وحيثياته ووجوده في كلمةٍ واحدةٍ هي العبودية لله.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول عن نفسه دائمًا: "إنما أنا عبدٌ" ووصف الله سبحانه وتعالى ب العبودية في أشرف موقفٍ شرَّفه به سبحانه وهو في هذه الدنيا، فقد قال سبحانه عنه في موقف الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى) سورة الإسراء، الآية1 .
لم يقل سبحانه عن حبيبه صلى الله عليه وسلم "سبحان الذي أسرى بنبيه" ولم يقل "سبحان الذي أسرى برسوله" وإنما قال سبحانه: (بعبده)
وذلك لأن العبودية لله هي الأصل في علاقة الإنسان بربه، وهي الشرف العظيم الذي سوَّى الله فيه بين جميع خلقه، فشرف العبودية يأتي أولًا ثم يأتي بعده كل شرف.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان