حامل المسك... (13) كمال الذُّلّ

حامل المسك... (13) كمال الذُّلّصورة تعبيرية

الدين والحياة3-12-2024 | 14:58

رُوِيَ عن أحد العارفين أنه قال: "دَخَلْتُ على الله سبحانه وتعالى من أبواب الطاعات كلها، فما دخلت من بابٍ إلا رأيت عليه الزحام، فلم أتمكن من الدخول، حتى جئت باب الذُّل والافتقار، فإذا هو أقرب بابٍ إليه وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا مُعوِّق، فما هو إلَّا أن وضعت قدمي في عتبته، فإذا هو سبحانه قد أخذ بيدي وأدخلني".
إنَّ العزَّ كلَّ العزِّ في كمال الذُلِّ لله تعالى، والتذلل يكون على قدر الحاجة، فإذا كان العبد لا غنى له عن الله سبحانه؛ فإنه ينبغي له أن يصل بالتَّذَلُّلِ له والافتقار إليه درجة الكمال، حيث إن أكمل الخلق عبوديةً لله هم أكثرهم إليه تَذَلُّلًا وأشَدُّهُمْ له خضوعًا.
وكمال الذُّلِّ معناه أن تسيطر الرغبة في نيل رضا الله والخوف من سخطه على حركات العبد وسكناته، فيكون رضاه وسخطه سبحانه وتعالى هما الشغل الشاغل للعبد، فهو يضع هذا الرضا وذاك السخط نُصْبَ عينيه فلا تأتي جارحة من جوارحه بحركةٍ من الحركات قبل أن يعرضها على منهج الله الذي ارتضاه لعباده، فإن كانت جالبةً للرضا أسرع بإتيانها، وإن كانت جالبةً للسخط أعرض عنها.
والله يحب من عباده التَّذلُّل له والخضوع إليه لا لحاجة له سبحانه إلى ذلك، وإنما ذلك لأنه سبحانه حنَّانٌ منَّان، يرحم عباده إذا تذللوا له، ويغنيهم من فضله إذا افتقروا إليه.
وقد وصف سبحانه وتعالى نمط العلاقة بينه وبين عباده فقال في الحديث القدسيِّ: (مَنْ أقبل إليَّ تَلَقَّيْتُهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنِّي نَادَيْتُهُ مِنْ قريبٍ: أَيْنَ تَذْهَبْ؟ أَلَكَ رَبٌّ سِوَايْ؟!).
وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى داود عليه السلام: (يَاْ دَاوُد، لَوْ يَعْلَمُ المُدْبِرُونَ عَنِّي شَوْقِي لَهُمْ وَرَغْبَتِي فِي تَرْكِهِمْ مَعَاصِيهِمْ لَذَابُوا شَوْقًا إِلَيَّ، يَا دَاوُد، هَذِهِ رَغْبَتِي فِي المُدْبِرِينَ عَنِّي فَكَيْفَ مَحَبَّتِي لِلْمُقْبِلِين إليَّ).
فإذا كان سبحانه يدعو المعرضين عنه ويشتاق إليهم وهو الغَنِيُّ عنهم، فمن الأجدر بالمفتقرين إليه أن يخضعوا له تمام الخضوع ويتذللوا له كمال الذُّل لأنَّ في ذلك عِزِّهم ورِفعتهم.
وكمال الذُّلّ وكمال الحُبِّ هما أساس تحقيق العبودية، ولا يكفي أحدهما لينوب عن صاحبه، فالعبد قد يتذلل لمن لا يحبه، والعبد قد يحب من لا يخضع له، أما العبودية لله فيجب أن تجمع بين تمام المحبة وتمام الخضوع أي بين كمال الحب وكمال الذل.
وإذا مَنَّ الله على العبد بأن حقَّق في قلبه كمال الحُبِّ لله، وتمام التذلل والخضوع له، وصل العبد إلى مرحلة الاستغناء بالله عن كل شيءٍ والانشغال بالله عن كل شيءٍ فكان ربه هو شغله الشاغل وكان رضاه سبحانه هو جنة الدنيا ومستراح القلوب، وكان دائمًا وأبدًا يقول لربِّه بلسان الحال ولسان المقال:
فَلَيْتَكَ تَحْلُو والحَياةُ مَرِيرَةٌ وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالْأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرٌ وَبَيْنِي وَبَيْنَ العَالَمِينَ خَرَابُ
إِذَاْ صَحَّ مِنْكَ الوُدُّ فَالْكُلُّ هَيِّنٌ وَكُلُّ الَّذِي فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابُ

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان