لعل هذا الفيلم الإيرانى الفرنسى السويدى الألمانى المشترك ، وعنوانه "كعكتى المفضلة"، هو أفضل أفلام مهرجان القاهرة السينمائى فى دورته الخامسة والأربعين، وكان الفيلم قد عرض فى مسابقة مهرجان برلين 2024، وحصل على إشادات كبيرة، لجرأته، وبراعته الفنية، ورؤيته الإنسانية المؤثرة، ولأداء بطلته وبطله الإستثنائي.
الفيلم ترك عندى شعورا يشبه ذلك الشعور الذى كنت أمتلئ به بعد قراءة قصص تشيكوف الإنسانية البسيطة والعميقة، وربما يرجع ذلك إلى أن بطلة الفيلم وبطله العجوزين، فيهما ملامح تشبه شخصيات تشيكوف، فهما مهمشان، وزائدان عن الحاجة، ينتظران بلا أمل فى التغيير، ولكنهما أكثر جرأة من شخصيات تشيكوف فى المغامرة، وفى دفع ثمنها بكل شجاعة، هربا من حياة أقرب إلى الموت.
لم أستغرب بالطبع أن يثير الفيلم مشكلات فى إيران ، وأن يُمنع مخرجه بهتاش صانيها، ومخرجته مريم مقدم، والاثنان اشتركا فى الإخراج، من السفر إلى برلين ، لحضور العرض العالمى الأول للفيلم.
لا أتحدث هنا عن جرأة الفيلم، لأن بطلته تنتقد صراحة التضييق على الناس، ومراقبتهم، وقمع حرياتهم، بدعوى الحفاظ على الأخلاق والآداب العامة، ولا لأن البطلة تترّحم على عصر ما قبل الثورة الإيرانية، ولا لأن هناك انتقادات لظروف الناس المعيشية، خاصة من كبار السن، ولكن لأن فكرة الفيلم فى جوهرها تتحدث عن الأموات فى المقابر، والموتى الأحياء، الذين لا يستمتعون بالحياة، ومباهجها، ولا يوجد فريق ثالث فى المجتمع، ولاشك أنه نظرة انتقادية عنيفة للمجتمع، بعد سنوات طويلة من الحروب والحصار والمشاكل الاقتصادية.
حكاية الفيلم تبدو بسيطة، وتنطلق من الرسم البارع لشخصية بطلتنا الممرضة العجوز ميهان، وهى امرأة بدينة، وتوفى عنها زوجها منذ عامين، وغادرها أولادها للعيش فى الخارج، وهى تتواصل معهم عبر الإتصالات الحديثة، بينما تعيش حياة رتيبة مملة، باستثناء يوم تستقبل فيه صديقاتها المسنات، اللاتى تعانين من الأمراض، ولكنهن تمتلكن حسا ساخرا، ورغبة فى الحياة، تتجسد فى الطعام، وربما فى الترحيب بعلاقة عاطفية محتملة، تملأ حياتهن الفارغة.
نرى ميهان فى زيارات روتينية للحصول على نصيبها المحدد من الخبز، والذى لا يزيد عن رغيف واحد كبير، ونراها وهى تسير فى الشوارع، وتجلس بمفردها فى أحد الفنادق، تتحسر على زمن الموضة، وتتصدى لشرطة الآداب، التى أرادت القبض على شابة، لأنها لا ترتدى حجاب الرأس بطريقة كاملة، وتنقذها بالفعل من السجن، وعندما تذهب ميهان إلى مطعم يقدم وجبات بالكوبونات لكبار السن، تلتقى مع سائق التاكسى العجوز فارامارز، فتبدأ مغامرتها المجنونة معه.
تدعى أنها تريد سائق لمشوار خاص، وفى الطريق تخبر الرجل العجوز بأنها ترحب باستضافته فى بيتها هذه الليلة، ولأنه أيضا وحيد، وحزين، ويعانى من رتابة الحياة كالموتى، يوافق بحماس، ويتوقف للمرور بصيدلية، وإحضار دواء منشط، وتنفتح المغامرة على ليلة عجيبة.
يعود إلى ميهان إحساسها بالحياة، تتجمل، وتحتفل، وتشرب، وتضحك، وترقص مع ضيفها العجوز، بينما يبدو هو مذهولا، يحكى لها عن زوجته السابقة المتشددة، والتى انفصل عنها، دون أولاد، ويفضفض باعتباره من المحاربين القدماء، الذين لم يحصلوا على شيء، سوى وعد بمقبرة مجانية، يعترف لها بأنه يكره مهنته كسائق، ويشعر بأنه لا يفعل شيئا، ثم يقوم بتصليح اللمبات فى حديقة ميهان الصغيرة، فتجمع له نبات النعناع، وتقوم على الفور بإعداد كعكة البرتقال المفضلة، ويلتقط الاثنان صورة سيلفي، تظهر مشوشة.
لا يتعامل الفيلم مع شخصين منحلّين مثلا، ولكنه يقدم بطليه كرجل وامرأة بائسين ويائسين أيضا، يريدان سرقة بعض البهجة والحرية، فى مجتمع مغلق، لا يحقق لهما الحد الأدنى من الرعاية، أى إن ميهان وصديقها العجوز، يريدان الخروج من حالة الموت وهم على قيد الحياة، إلى استعادة الحياة نفسها، وتتحول شقة ميهان إلى بديل بعيد عن العيون للحياة المفقودة.
لكن المغامرة سرعان ما تتحول إلى كارثة، عندما يموت السائق فجأة، على الأغلب بسبب جرعة حبوب منشطة، وتجد ميهان نفسها فى مواجهة جثة رجل فى بيتها.
تشعر بالذهول والصدمة، ولكنها تتماسك بخبرة ممرضة قديمة، تستدعى رجلا ليحفر لها مكانا فى حديقتها الصغيرة، بحجة دفن فيها زهورا ذابلة، وبعد أن ينجز الحفّار مهمته، تعود إلى جثة السائق، تمسح على جسده المغطى بملابسه، وتضعه داخل ملاءة، وتأخذ الجثة لتضعها فى الحفرة، وهكذا يتحول هذا الرجل، من حالة الميت بالحياة، والمحروم من المتعة، إلى ميت بالفعل، بإلقائه فى الحفرة، وردم التراب عليه.
لأول مرة نسمع الموسيقى فى المشهد الأخير، بينما تقترب الكاميرا ببطء من خلف ميهان، فلا نرى وجهها، لعلها لا تريد أن يشاهدها أحد، ولعلها تبكى فى داخلها، تعود إلى حالة الانتظار القديمة، مؤمنة بأن من فى عمرها، سيظل دوما ميتا على قيد الحياة، ولن يخرج من هذه الدائرة المغلقة، إلا بالموت والدفن الفعلي.
لا متعة، ولا حرية، ولا حقوق، لا شيء سوى انتظار الموت، حتى المغامرة محكوم عليها بالفشل، وحتى الكعكة اللذيذة لم يستفد بها السائق، فقد دسّت ميهان قطعة منها فى فم السائق، بعد موته، فلم يشعر أو يحس .
يقوم بناء الفيلم على اثنين من كبار الممثلين: ليلى فرهادبور فى دور ميهان بكل وجوهها، وقد عبرت عنها الممثلة العظيمة بحضور واقتدار، سواء فى لحظات المرح والكوميديا، أو بعد وقوع المأساة، وأظن أن هذه الممثلة كانت تستحق جائزة من مهرجان برلين.
أمامها ممثل كبير آخر هو إسماعيل محرابي، فى دور سائق التاكسى البائس، وقد كان أيضا رائعا فى تقديم تحولات الشخصية، ما بين التحفظ والجرأة، والتردد والنزق، كما أنه يمتلك لمسات كوميدية مميزة.
لكن هذا التميز فى الأداء التمثيلى ما كان ممكنا بهذه الدرجة الرفيعة، لولا السيناريو الممتاز، وتفاصيله الإنسانية، ومجاز الشقة المنعزلة الحرة، فى مقابل الوطن المراقب والمحاصر، ولولا هذ اللعبة بين موتى القبور وموتى الحياة، ولولا هذا الجمع بين النقد المباشر على لسان ميهان وصديقها العجوز، والحكاية الإنسانية عن ظروفهما ووحدتهما ومعاناتهما وتهميشهما، مما دفعهما إلى مغامرة مجنونة.
المخرج بهتاش والمخرجة مريم صنعا خطة إخراجية مشتركة، ومتناسقة، حتى تكاد تظن أنهما شخص واحد. التكنيك هنا وسيلة وليس غاية، وهو "أداة" للتعبير عن الدراما، وقمة الحرفة فى إخفاء الحرفة، وعدم الإحساس بوجودها، ونجاح المخرجين فى أن تورط فى عالم فيلمهما تمامًا، نجاحهما فى أن تدخل إلى قلب تجربتهما بشكل كامل، أقرب إلى الاستحواذ والامتلاك.
مشاهد فيلم "كعكتى المفضلة"، لن يشعر بأى تشويش من حركة كاميرا عنيفة، ولا من قطعات مونتاج عشوائية، ولا من شريط صوت مزعج. يتدفق السرد مثل نهر هادئ، حتى يأتى مشهد رقص الرجل والمرأة على أغنية جميلة، فترقص الكاميرا معهما، بدقة مذهلة، وحركة محسوبة، ودون استعراض، وتصميم حركة الكاميرا تابع لحركة الشخصيتين، وليس العكس، فلا يجب أن ننشغل بأى أحد سوى البطلين. ومع لحظة التحول الخطيرة والفاصلة، نعود من جديد إلى الثبات والسكون، وصولاً إلى لقطة النهاية.
هناك ممثل وممثلة من الفئة الأولى الممتازة، يظهران معًا فى معظم اللقطات، ويترك لهما المخرجان الكاميرا. وهناك مشاهد كاملة تثبت فيها الكاميرا لكى تترجم مشاعر ولحظات عاطفية وإنسانية، مع سيطرة كاملة على إيقاع كل مشهد، وعلى إيقاع الفيلم كله. وتوظيف الإضاءة دراميًا يتم من خلال لمبات الحديقة، وليس من خلال ضوء مفروض على مفردات المشهد. بالإضافة إلى براعة فى التحول العجيب من "مود" الملهاة إلى "مود" المأساة، وهو أمر فى منتهى الصعوبة، ولكنه يتم بسلاسة كاملة. وتختفى الحرفة تمامًا، مع أن الحرفة كامنة ومختبئة وراء كل لقطة، وفى كل لحظة من هذا الجمال الذى شاهدناه.
"كعكتى المفضلة" حكاية عن السياسى عبر الإنسانى والعاطفي، لذلك تحقق تأثيرًا مضاعفًا، وتتحدى الموت بالفن، وبالشخصيات الممتلئة بالرغبة فى الحياة، رغم محاصرتها بالموت والقهر والقيود.