وجوه وأقنعة في لحظة مواجهة

وجوه وأقنعة في لحظة مواجهةمحمود عبد الشكور

الرأى12-1-2025 | 14:33

خرجتُ سعيدا من فيلم بضع ساعات في يوم ما ، تأليف محمد صادق، واشتركتا معه في كتابة السيناريو نورهان أبو بكر، وشادن زهران، وإخراج عثمان أبو لبن ، وكان سبب سعادتي أن هناك من يحاولون تقديم شيء مختلف على مستوى السرد والحكايات والشخصيات، ويبحثون عن طريقة مختلفة بعيدة عن العادي والمألوف.

وأسعدني أكثر أن التجربة، التي تسرد عدة حكايات خلال 8 ساعات فقط من يوم ما، تمتليء بشخصيات كثيرة، قدمت بشكل جيد، ومن خلال إيقاع متدفق ينتقل بين الشخصيات وحكاياتها بسلاسة، ودون أن تفلت منه فكرة محورية بتعرية الطبيعة البشرية، ولعبة الوجه والقناع، والمسافة بين الظاهر والمختفي، خاصة مع وضع حياتنا بأكملها في دائرة الضوء عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ولاشك أن هذه الحكايات منحت أبطال الفيلم فرصة أدوار حقيقية، بدلا من أفلام النجم الواحد المعتادة، وشاهدنا أدوارا نسائية مميزة فى سينما من النادر أن تجد فيها الممثلات أدوارا جيدة، كما أنني أعتبر الفيلم من أفضل تجارب عثمان أبو لبن كمخرج.

أعجبني أيضا أن الفيلم، الذي اختتم موسم 2024 السينمائي، يعيد تشكيل الزمن بشكل جيد، يتقدم إلى الأمام حتى تنتهي الساعات الثمانية، ثم يعود فى النهاية إلى ما قبل تلك الساعات، والبناء بأكمله متماسك، وملامح كل شخصية ومنطقها يتم التعبير عنه بشكل كامل، وخصوصا فيما يتعلق بالجانب النفسي، الذي يحدد الكثير من السلوكيات والتصرفات.

خلال 8 ساعات فقط فى ليلة واحدة، يتراهن الأبطال على رهان معين، وينطلق كل واحد فى طريقه، وتتشكل ثنائيات متداخلها، أولها ياسين ( هشام ماجد )، الذي يجد نفسه فى سيارة سارة ( هنا الزاهد ) الذاهبة إلى مدينة العاشر من رمضان لزيارة والدها المريض، والثنائي طارق (أحمد صلاح السعدني)، الذي يحتفل بعيد زواجه الثالث من أمنية (مي عمر)، ببث مباشر معها من أماكن مختلفة، ومحمد (محمد الشرنوبي)، الذي يتشكك فى خطيبته أمل ( اسماء جلال )، بينما هي تتواصل فعلا مع حبيبها السابق أيمن (محمد مهران) رغم زواجه.

ولدينا أيضا شادي (محمد سلام) الباحث عن فرصة للشهرة، ولكنه متشدد مع صديقته يسرا (هدى المفتي)، التي سرعان ما تتورط فى تجربة تليفونية جنسية مع رجل غامض، وهناك كذلك علاقة المصور عاصي (خالد أنور)، صديق شادي، مع فتاة نقلها إلى المستشفى تدعى ريم (مايان السيد).

تتطور كل حكاية وصولا إلى ذروة خاصة بها، ثم تشكل فى النهاية ذورة كبيرة للحبكة كلها، فالشخصيات ليست كما نراها من الخارج، ولكنها تعاني من تناقضات كثيرة، سارة مثلا تتضح هشاشة شخصيتها مع محنة والدها، بينما يجد ياسين الشخص العادي نفسه أمام مأزق يستدعي مساندة سارة، والبث المباشر الرومانسي للثنائي طارق وأمينة سرعان ما يكشف على علاقة استغلال وبيزنس وشعور طارق الحاد بالنقص، وشادي تسقط أقنعته من أجل شهرة من أي نوع، ولو حتى بادعاء البطولة الوهمية، ويسرا تمارس حرية فى اتجاه لم تتخيله، بينما تكشف لعبة الرجل الغامض الذي يتحدث معها عن مأساة مؤلمة، ومحمد تأخذه أكاذيب أمل، رغم حبها له، إلى مواجهة مع أيمن حبيبها السابق، الذي كشف بدوره عن انحطاط كامن.

وهكذا تبدو لعبة الوجه والقناع، وتعقد الطبيعة الإنسانية عنوانا يلازمنا فى كل الحكايات، مع إشارات إلى دور السوشيال ميديا فى تغذية الصور الكاذبة، والهوس بالشهرة، مع خط آخر يتأمل مفهوم الرجل الشرقي عن المرأة، الذي لا يختلف كثيرا عن الأزمنة القديمة، وإن تنكر هذه الأيام فى صورة التشدد والمحافظة.

رهان الليلة يتحول إلى مواجهة للذات وللآخر، والمسافات تقترب وتتباعد ببراعة، إلى درجة يصعب فيها أن نتوقع النهايات، والعلاقة بين الأمنيات وتحقيقها تبدو معلّقة بتعقيدات لا يعرفها عنا حتى أقرب الأشخاص، كما أن الشخصيات تكتشف نفسها أيضا، وتحاول أن تختبر المدى الذي يمكن أن تصل إليه، كما فى حكاية يسرا ورجل التليفون الغامض، وكما فى حكاية أمل ومحمد المعقدة على مستويات كثيرة، وكل حكاية مثل قصة قصيرة فيها لحظة تنوير وانكشاف واعتراف.

بدا لي أن الفيلم استفاد كثيرا من الفيلم الإيطالي الشهير "غرباء تماما"، ولكنه لم يقتبسه أو ينقله، والمقصود بالاستفادة استلهام روح الفكرة بثنائية الوجه والقناع، وبتكثيف الزمن، وتداخل الحكايات، ونثر المفاجآت، والانطلاق من رهان ما الى تحليل نفسي واجتماعي عميق، بالإضافة إلى تأكيد دور وسائل الاتصال الحديثة فى حياتنا، باعتبارها مرايا كاشفة.

ولكن "بضع ساعات فى يوم ما" له كذلك عالمه المستقل، وحبكاته المختلفة، وألعابه السردية الخاصة، التي قدمت بشكل متقن ومميز، خصوصا مع اختيار جيد للممثلين والممثلات فى أدوارهم، وتميز خاص ل هشام ماجد بخفة ظله، وحضوره الفائق، ولأحمد صلاح السعدني فى شخصية صعبة ومعقدة ومتعددة الوجوه، وأسماء جلال فى شخصية لا تقل تعقيدا وغرابة، بالإضافة إلى مايان السيد فى دور فتاة تعاني من حالة مرضية غريبة، وإن كانت الملاحظة الواضحة، رغم اجتهاد مايان، أن مظهر الحالة أعطى تأثيرا كوميديا غير مقصود، مما قلل من تأثير معاناة الشخصية من مرضها.

هناك عناصر تقنية جيدة أيضا: تصوير محمود غسان، بالتعبير عن الانتقالات الزمانية، وصولا إلى نور الصباح، وموسيقى نابلسي المعبرة عن مواقف متغيرة، ومونتاج عبد الرحمن كرم الدين، الذي منح الفيلم هذا التدفق بانتقالات سلسة بين عدة حكايات فى اتجاه ذروة ونهايات مؤثرة.

لعل المخرج عثمان أبو لبن قد وجد نفسه أخيرا بعيدا عن الوقوع فى أسر الإبهار الشكلي، الذي جاء به إلى السينما من عالم الأغاني المصورة (الفيديو كليب)، إدارته لممثليه هنا أساسية وجيدة جدا، مما يؤشر إلى أن لديه ما يضيفه فى عالم الدراما الاجتماعية بالذات.

"بضع ساعات فى يوم ما"، يفتح الباب لتجارب درامية أكثر اختلافا، ولقراءات اجتماعية وإنسانية أعمق لحياتنا الحافلة بالتناقضات والعجائب، لدينا من يكتب ببراعة عن ذلك، ولدينا أيضا ممثلون وممثلات يمكنهم أداء تلك الشخصيات.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان