رامبو وصاحبه "الدبلان على أرضه"

رامبو وصاحبه "الدبلان على أرضه"محمود عبد الشكور

الرأى19-1-2025 | 14:33

يمكننا الحديث عن بداية قوية لموسم 2025 السينمائي بعرض فيلم " البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو "، الذي شارك في مهرجان فينيسيا في العام السابق، والذي كتبه خالد منصور ومحمد الحسيني، وأخرجه خالد منصور.

الفيلم تجربة ذكية ومؤثرة كتابة وتمثيلاً وإخراجًا، ومن حيث تفاصيل الواقع، وعلى مستوى المجاز الذي يريد أن يعبّر عنه، كما أنه سينافس بعناصره الفنية على جوائز الأفضل لهذا العام، والأجمل أنهم أسماء شابة في مجالات الفيلم المتنوعة، مما يبعث الأمل في سينما مختلفة عن السائد والمتكرر.

يمكن قراءة الفيلم على مستويات كثيرة، سواء من حيث هذه العلاقة الخاصة، التى تربط بين بطل الفيلم الشاب، وكلبه الذكى رامبو، والذى يبدو أكثر وفاءً من العالم كله، ولذلك يستحق التمسك به، وحمايته، أو على مستوى شخصية حسن المهمشة والمقهورة بقوة غاشمة أكبر، مما يستدعى أن يواجه فى النهاية هذه القوة، أو على مستوى حسن كممثل لجيل بأكمله، يفترض أن تكون حياته أفضل، لكنه يترجم بواقعه الصعب، كلمات عبدالرحيم منصور فى أغنية محمد منير " شجر اللمون "، والتى لحّنها أحمد منيب، ونسمعها على تترات النهاية، حيث يغنى منير بشجن: "أنا مطحون.. والدنيا دى رحّاية"، ويردد فى أسى: "وكل شيء بينسرق منّي.. م العمر م الأيام.. والضيّ م الننّي".

يبدو حسن بهذا المعنى كعنوان على الاغتراب والوحدة وعدم التحقق، ليس ذلك فحسب، بل يبدو عنوانا على قهر لا يقنع إلا باستسلامه، ولا يبقى له إلا رامبو، بكل دلالات الاسم القادم مباشرة من سلسلة أفلام لبطل يمارس رد الفعل القوى العنيف والمدمّر، وهو استدعاء مجازى مقصود، وسنرى تجلياته فى النهاية.
حسن وكلبه رامبو إذن هما الحكاية ومحورها، لكن السيناريو الذكى يجعل من رامبو امتدادا لحسن، فالاثنان معا فى معظم مشاهد الفيلم، وفى أحد تكوينات الفيلم البارعة للمخرج خالد منصور، يقوم حسن بحمل مرآة مستديرة، لكى يرى رامبو وجهه فى المرآة، فينعكس وجه الكلب رامبو، مكملاً جسد حسن، أى يحل وجه رامبو محل وجه حسن المختفي، ويتحقق مجاز بصرى بديع، فكأن رامبو هو طاقة الغضب الكامنة داخل حسن، والتى يحارب من أجل حمايتها، وعدم قتلها، وعندما يفعل ذلك، بتهريب رامبو إلى الخارج، بعد رحلة هروب طويلة، تنطلق طاقة الغضب الفعلية داخل حسن، ويستطيع المواجهة، وهزيمة خوفه بقوة هائلة، كانت مقموعة، ثم انطلقت، تحت ضغط القهر والاغتراب.

هنا استعارة مدهشة وهائلة، لم تتحرك فى فراغ، إنما من خلال بناء درامى واقعى متماسك، وبرسم جيد لكل الشخصيات، وليس لشخصية حسن فقط، الذى لعب دوره ببراعة عصام عمر، لكن لكل الشخصيات الأخرى، وبتفاصيل مدهشة ودقيقة، وبدون ثرثرة أو إسهاب، وبثراء بصرى واضح فى التكوينات، وفى كل مكونات الصورة، وألوانها الشحيحة، المتسقة مع أجواء عالم مغلق ومحاصر.
حسن يعمل كرجل أمن أدارى مثل المئات العابرين، يبدو مسالما، صامتا، يلاعب كلبه رامبو طوال الوقت، ويصنع له الطعام، وعالمه محدود بعمله فى مكتب هندسي، وفى رعاية أمه (سماء إبراهيم)، التى أغلقت الباب عليها وعلى ابنها، بعد أن طفش والده، لا يوضح الفيلم سبب ذلك، ويبدو أن الأب لم يعد قادرا على أعباء أسرته، المهم أن حسن يفتقد هذا الأب، الذى كان يمثل رامبو آخر مفقودا، يحقق الحماية والأمن، ولا يجد حسن سوى تسجيلات لصوت والده، ليستعيدها مع نفسه.

كان يمكن أن تسير حياة الشاطر حسن الجديد فاترة وعادية، لأنه يعيش "جنب الحيط"، ولا يريد شيئا، قانعا بملاعبة كلبه، وبالاطمئنان على أمه، ولكن صاحب المنزل الشرس كارم (أحمد بهاء)، يقرر إجبار حسن وأمه على ترك الشقة، لأن صاحب المنزل الشرس يريد توسيع ورشته، ويمارس كارم فى مشهد محورى إذلالا وضربا ضد حسن المسالم، فينهش الكلب رامبو موضع ذكورة كارم، ويقرر الشرس والمعتدى أن ينقل معركة الانتقام أولا إلى الكلب، فيشترط تسليم رامبو إليه، وهنا تبدأ رحلة هروب حسن بالكلب، الذى أصيب فى وجهه، أثناء معركته فى الدفاع عن صاحبه المقهور.

يكتسب الكلب هنا معنى أكبر بكثير من صورة الصديق الوفى، أو من دلالة التعاطف بين الإنسان والحيوان، مع أن كل ذلك موجود أيضا، ولكن المعنى الأعمق هو أن حسن أدرك أن رامبو هو امتداد له، بل هو الجانب الأفضل والغاضب والقوى فى شخصيته المهمشة، فكأن حسن يدافع عن نفسه، بدفاعه عن رامبو.

ربما لا يوجد ما يماثل هذه العلاقة الواقعية المجازية، إلا علاقة الشاويش طلبة (محمود مرسي)، مع حصانه العجوز فى مسلسل "الرجل والحصان"، الذى كتبه محمد جلال عبد القوي، وأخرجه أحمد خضر، فقد هرب طلبة بالحصان البائس، والذى سيتم قتله تخلصا من نفقاته، فبدا كما لو أن الحصان مجازٌ لطلبة نفسه، والذى قد يتخلصون منه فى أى لحظة، إذا خذلته صحته، وإذا وصل إلى سن المعاش، فلم يعد يستحق راتبه.

مهّد السيناريو لهذا التوحد بين رامبو وحسن، فهما يقتسمان اللقطات، يأكلان معا، ويلعبان معا، ويتحركان فى نفس الموتوسيكل، ويتحدثان بإشارات مخصوصة، والكلب ذكى يفهم ويتجاوب، ويحتفل مع حسن بعيد ميلاده، ولذلك سيكون منطقيا أن يخوض حسن رحلة هروب، لعلاج رامبو أولا، ثم لتوفير ملجأ آمن له، حتى لا يقتله كارم، ثم يقوم أخيرا بتهريبه مع سيدة مهاجرة إلى كندا، وفى كل مرة ينفتح عالم حسن الضيق، لنكتشف المزيد من علاقاته القديمة المحدودة، وأهمها علاقته مع خطيبته السابقة أسماء (ركين سعد)، والتى ستساعده هى وخطيبها الجديد.

سيترك السيناريو أيضا سبب انفصال حسن وأسماء بدون تفسير، ربما لأن الأسباب معروفة عموما، وتتعلق بالقدرة المادية، أو لأنها كثيرة ومتعددة، أو لأن هؤلاء المهمشين لم يعودوا يستغربون النهايات المبتورة، فهذا هو الأصل، الذى لا يثير السؤال، والاستثناء أن تنجح علاقة حب فى مثل هذه الظروف.

يتحرك الفيلم نحو استنارة حسن، الذى تذكرنا باستنارة حسن أيضا فى نهاية فيلم "سوّاق الأوتوبيس" لعاطف الطيب، فلا مفر من مواجهة الشر، ولا مفر من إطلاق حسن ل رامبو الغاضب فى داخله، كنتاج طبيعى للقهر، وكارم الذى نهشه الكلب، فأهان رجولته الكاذبة أمام عشيقته، سيتحول بدوره إلى مجاز لكل أصحاب القوة الغاشمة، ودون أن يغلق الفيلم أقواسه، فقد ترك حسن وأمه الشقة، ونراهما يتطلعان فى تعب إلى المدينة الشرسة، بينما يعلن صوت منير عن "شجر اللمون" الدبلان على أرضه: المشوار مازال طويلا، لكن حسن تغيّر، استرد رامبو وأنقذه، ثم أخرجه من داخله، دفاعا عن نفسه.

معالجة ناضجة للغاية، تجمع كما شرحت بين البساطة والتعقيد، وبين التفاصيل الواقعية والإنسانية، وذكاء المجاز، الذى يخرج من الواقع، ولا يفرض عليه فرضا، مع اختيار ممتاز للممثلين جميعا فى أدوارهم، وخصوصا عصام عمر فى دور حسن الصعب، إنه يضع قناعا صامتا لا نستبين منه شيئا على وجهه، لكن القناع يتبدد تدريجيا مع الوقت، فينتقل من مرحلة الروبوت المتفرج على نفسه، والصامت أمام ما يحدث له، إلى مرحلة الإنسان المتأثر والصارخ والغاضب، عصام عمر موهبة عظيمة وواعدة، ودور المخرج أساسى فى ضبط تعبيراته وإيقاع مشاهده، ولو كان عصام أقل مما يحتاجه الدور المركّب، لانهار العمل تماما، كما أن كيمياء التعامل بين عصام والكلب كانت أكثر من ممتازة.

كانت ركين سعد أيضًا مميزة فى دور الفتاة الشعبية الوفية، إنها أيضا رامبو الوفى فى صورة جديدة، ونفس التميز نجده عند سما إبراهيم بحنان الأم وأحزانها، وأحمد بهاء بشراسة وحماقة القوة الغاشمة، والممثلة المتميزة هاجر حاتم، التى لعبت دور عشيقة كارم، وضيوف الشرف فى أدوارهم القصيرة مثل: حسن العدل، وبسمة، و يسرا اللوزي ، وأحمد السلكاوي.

يقدم الفيلم مخرجا ناضجا، يعرف تماما كيفية التعبير على قدر المعنى، وعلى مقاس الدراما المكتوبة، وقد برع خالد منصور تحديدا فى تكوينات إطارية داخل الشقة، تحيط ببطله المحاصر، ثم انتقلت معه هذه الإطارات، وكأنها تلاحقه فى الخارج، حتى تحرر منها فى مشهد النهاية، واستخدم المخرج ألوانا قاتمة، مقبضة، وقليلة، ومساحات من الظلام، أجاد رسمها مدير التصوير أحمد طارق بيومي.

ولابد من ذكر هذه الأسماء الواعدة فى عناصر الفيلم المختلفة، لأننى أعتقد أنهم سيكونون نجوم المستقبل فى تخصصاتهم: موسيقى أحمد مصطفى زكي، أزياء ناردين إيهاب، ديكور وإشراف فنى مارك وحيد، مونتاج ياسر مرعي، صوت ومكساج محمد صلاح، وإنه لشيء مبهج حقا أن تكون لدينا كل هذه المواهب الرائعة.

"البحث عن منفذ لخروج السيدر رامبو" يبدأ بحسن وهو يلاعب كلبه المسالم الظريف، على خلفية فيلم فى التليفزيون لنمر شرس ملطخ الوجه بالدماء، وينتهى فيلمنا بمعركة دموية غضبا وانفجارا.
فى كل الأحوال لا تسطيع أن تلوم حسن ورامبو، فقد حاولا تفادى القهر والعنف، لكن اللوم يرتبط بقوة كارم الغاشمة، والتى استغلت مسالمة الشاطر حسن، وأمه الخائفة عليه.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان