"المتدرّب".. الوجه المزيف للحلم الأمريكي

"المتدرّب".. الوجه المزيف للحلم الأمريكيمحمود عبد الشكور

الرأى2-2-2025 | 15:15

يمكن النظر إلى الفيلم الأمريكي الكندي " المتدرّب "، الذي كتبه جابرييل شيرمان، وأخرجه الإيراني السويدي علي عباسي، بما يتجاوز رحلة صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، وتحوله إلى ملياردير في عالم العقارات في نيويورك، وعالم الكازينوهات في أتلانتك سيتي، فالفيلم في جوهره تفكيك للجانب الآخر "الفالصو" من فكرة "الحلم الأمريكي"، الذي يمكن أن يكون معتمدا على الاحتيال، والطرق غير المشروعة، ومعرفة ثغرات ونقاط ضعف البشر.

ويمكن كذلك أن نقرأ الفيلم المهم والمميز، الذى اشترك فى المسابقة الرسمية لمهرجان كان (2024)، باعتباره هجاء عنيفا لليمين الأمريكى المحافظ، الذى اكتسب دفعة كبيرة فى فترة رئاسة رونالد ريجان، وهى الفترة التى شهدت تضخم أعمال ترامب، فكأنه من ثمار تلك الفترة فى التاريخ الأمريكي.

ولكن الفيلم فى نفس الوقت عن شخصية أخرى خطيرة، يمكن اعتبارها المعلم، الذى قاد ترامب إلى طريق الصعود، وبطرق غير أخلاقية، وهو محاميه المخضرم روى كوهن، اليمينى عدو اليسار والشيوعية، الذى ارتبط تاريخه فى الخمسينات بالمكارثية، روى هو الأصل الذى خرج منه ترامب، ثم تمرد عليه، وبالتالى فإن الحلم الأمريكى المزيف يقدّم هنا بجذوره القديمة والجديدة معا.

أما عنوان الفيلم " المتدرب " فهو متعدد الدلالات، لأنه نفس عنوان برنامج تليفزيونى أمريكي، كان يقدمه ترامب لمدة 14 سنة، لاختبار رجال الأعمال الشباب، بجوائز تقدر بنحو ربع مليون دولار، والفيلم يسخر من الرجل الذى يرشد رجال الأعمال، بكشف ماضيه، وبالإشارة إلى أنه كان متدربا بدوره فى مدرسة المحتال كوهن، وتعبير "المتدرب" أقرب ما يكون إلى معنى "صبى الأسطى"، الذى يأخذ عنه سر الحرفة، وهو أيضا معنى مقصود تماما فى أحداث الفيلم.

من المشهد الأول يظهر ترامب كشاب طموح ووسيم، يقولون عنه إنه يشبه روبرت ريدفورد، ويؤمن بأن جمع الملايين موهبة، ويتأمل فى سعادة الأثرياء مكان فخم يسهر فيه، ويبدى إعجابه بالمحامى روى كوهن، الذى تطارده القضايا، ولكن لا أحد يستطيع إدانته، وفى المقابل يتبناه كوهن، ويتوسم فيه أنه مشروع ملياردير.
ينجح كوهن فى كسب قضية كانت تهدد والد ترامب وأسرته، باتهامه بالتفرقة العنصرية تجاه مستأجرى عمارة تملكها الأسرة، ويصبح كوهن محامى ترامب، الذى نراه وهو ينتقل من شاب يقوم بجمع الإيجار من سكان فقراء واحد تلو الآخر، إلى صاحب فكرة تحويل فندق كومودور البائس إلى فندق فخم فى قلب نيويورك ثم ينتقل ومعه كوهن، الذى يمارس دور الأب البديل والمستشار القانونى المحتال، إلى أتلانتيك سيتي، حيث يمتلك ترامب كازينوهات القمار الكبيرة.
لكن كوهن ليس فقط المعلم المحتال، وإنما هو أيضا صاحب قواعد النجاح المزيفة، والمنظّر لنقيض الحلم الأمريكى المثالي، وهذه القواعد الثلاثة، التى يعتنقها ترامب إلى درجة أنه ينسبها إلى؛ نفسه فى المشهد الأخير، تتمثل فى : الهجوم على الخصوم، وإنكار كل التهم التى توجه إليك، وأخيرا إنكار الهزيمة حتى لو كنت مهزوما بالفعل!
وكوهن صديق الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون، الذى تنحى بعد فضيحة التجسس على منافسيه، ولكننا سنرى كوهن فى الفيلم وهو يمتلك حجرة تسجيلات خاصة به، فهو يسجل للجميع ليبتزهم، ومن قواعد كوهن أيضا أن أمريكا يحكمها بشر ورجال وليس قوانين، وبالتالى يمكن استغلال نقاط ضعفهم، وهو يعبر عن منطق اليمين الأمريكى كله، بهجومه على الشيوعيين، وعلى نقابات العمال، ويعتبر أن ما يفعله دفاعا عن أمريكا نفسها، وهى نفس الأفكار التى يتبناها ترامب، الذى سرعان ما يصعد أكثر فى زمن ريجان، الرئيس الأمريكى الذى سيرفع بدوره شعارا يعتنقه ترامب، بإعادة أمريكا عظيمة كما كانت من قبل.
ومن أهم مشاهد الفيلم، التى توضح هذا الربط بين أمريكا وكوارث اليمين، مشهد فوتومونتاج قبل نهاية الفيلم، نسمع فيه على شريط الصوت أغنية تمجد حرية أمريكا، بينما نرى العمال يطهّرون مكان عشاء روى الأخير من الفيروسات، ثم مشهد تأبين روي، ومشاهد عملية جراحية لترامب، وتقطيع جسده وبطنه، لإزالة الدهون التى تراكمت عليها.
هذا التنافر بين مثالية النشيد، وواقع ممثلى اليمين القاسى والمقرف، يوضح المعنى تماما، وينبئ بمأساة حقيقية لمستقبل أمريكا.
ولكن الفيلم لا يتناول الأفكار فقط التى صنعت ترامب وحلمه الأمريكى المزيف، ولكنه أيضا عن شخصيات من لحم ودم بكل تفاصيلها، فقد أحب كوهن الشاب دونالد، وتبناه تقريبا، وعلاقة ترامب بوالده الأصلى المسيطر من مفاتيح شخصيته، فقد تحرر منه بالنجاح، و ببناء برج ترامب الشهير، ثم تحرر بعد ذلك من علاقته مع كوهن، فكأن الثراء هو عنوان الخروج من "سلطة الأب"، وعلاقة ترامب مع شقيقه الفاشل فريدى أيضا من مفاتيح شخصية ترامب الانتهازية، فهو لا يحب أن يرتبط بالفاشلين، والبشر نوعان عنده " القتلة أى الناجحون، والخاسرون، والشقيق فريدى من النوع الثاني، رغم شعور ترامب الشديد بالحزن على موت شقيقه.
علاقة ترامب مع زوجته إيفانا كذلك من مفاتيح شخصيته، أعجبته رغم ارتباطها بشخص آخر، ولم يتوقف عن مطاردتها، حتى وافقت على الزواج منه، ربما أعجبه طموحها أيضا، فهى عارضة أزياء مهاجرة من أوروبا الشرقية، تحلم بأن تكون مصممة ديكورات، كانت واجهة جميلة للصعود النجاح، وشاركته فيه، ولكنه شعر نحوها بالملل، والفيلم يتحدث عن تحولها أيضا ضده، وهى التى ستخبر روى كوهن بأن ترامب أهداه مجوهرات مزيفة فى عيد ميلاده، فى تعبير مادى صريح عن فكرة "الفالصو"، التى زرعها روى فى عقل تلميذه ترامب، ثم استخدمها ترامب فى مواجهة روي، الذى سرعان ما سيموت بمرض الإيدز.
هى إذن أفكار الزيف والاحتيال من خلال نماذج إنسانية حقيقية، أما المؤسسات الأمريكية، مثل مجلس مدينة نيويورك، الذى يقدم إعفاءات ضريبية لترامب، ومثل رجال المحاكم، الذين يمكن ابتزازهم، والسيطرة عليهم، فكلها عناصر يمكن اختراقها بطرق غير مشروعة، وإن كنا نسمع فى النهاية أن روى مطارد بالمحاكمة، وبالفصل من نقابة المحامين، بسبب طرقه غير القانونية فى مجال كسب القضايا.
نجح مخرج الفيلم على عباسى فى نقلنا إلى أجواء السبعينيات والثمانينيات، ومنحتنا عدسة الزووم أجواء الجرائد السينمائية، ولكن نجاح المخرج الأهم فى إدارة بطلى الفيلم سيباستيان ستان فى دور ترامب، والمدهش جيرمى سترونج فى دور المحامى المخضرم روى كوهن.
لقد حددت نظرات سيباستيان ولغة جسده وعنايته بشعره درجة غرور الشخصية وتعاليها وثقتها العالية فى نفسها، كما أنه أجاد التعبير عن لحظات الاحتياج فى مواجهة روي، وفى لحظات الحزن الشديد على أخيه.
أما سترونج فقد أبدع فى أداء شخصية جامدة فظة،
لا تؤمن بالأخلاق، وتعتبر أن الحقيقة مرنة، ومتعددة الوجوه، فظاظة كوهن وبجاحته عبّر عنه سترونج بصوت حاد ثابت، لا يرتعش حتى وقت الخطر، وعيون لا ترمش، وبجسد مشدود، و بدلة ضيقة للغاية، وكأنه دمية تتحرك بالريموت كونترول !
ومن أفضل مشاهد سترونج مفاوضته إيفانا بخصوص ما سيدفعه ترامب لو طلقها، إنه يتعامل هنا مع الزواج كصفقة، وهى نفس الفكرة التى سيعلنها ترامب فى مشهد النهاية مع كاتب قصة حياته، عندما يقول إن الحياة كلها مثل لعبة أو صفقة، وجنى الملايين هواية، وهدف فى حد ذاته، مثل رسم لوحة تشكيلية.
من مشاهد سترونج العظيمة أيضا مشهد احتفال ترامب ب روي، ثم تأثر روى وبكائه عندما عرف أن تلميذه قد أهداه مجوهرات مزيفة، هنا ممثل كبير حقا، يذكرنا بأساتذة هوليوود.
هذا هو الوجه الآخر للحلم الأمريكي، النصب والاحتيال، والغاية تبرر الوسيلة، والحياة كصفقة غير مشروعة، وعدم الاعتراف بالهزيمة، والهجوم والإنكار، وهى نفس سياسة أمريكا، كما يقول الصحفى الذى سيكتب سيرة ترامب، فكأن ترامب هو تعبير عن أمريكا الأخرى، وكأنه جزء من تيار كبير، له فلاسفة ومعلمون مثل روي، ولذلك ينتهى الفيلم باقتراب الكاميرا من عين ترامب، وانعكاس العلم الأمريكى عليها.
ترى كم متدرّب آخر وكم من الصبية المحتالين يعتنقون فلسفة روى وترامب؟ وكم منهم اليوم فى أماكن صنع القرار فى أمريكا؟

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان