أثار الذكاء الاصطناعي، وخاصة النماذج اللغوية الكبيرة مثل «شات جي بي تي»، جدلًا واسعًا حول تأثيره على المستقبل البشري، بدءًا من المخاوف بشأن انتهاك حقوق الملكية الفكرية، وصولًا إلى تهديده للقدرات العقلية والإبداع البشري. في كتابه «العصابة.. محاكمة شات جي بي تي»، يناقش المهندس زياد عبد التواب هذه القضايا، مسلطًا الضوء على الجوانب الإيجابية والسلبية لهذه التكنولوجيا الحديثة.
رحلة الذكاء الاصطناعي وتطوراته
يؤكد الكاتب أن الذكاء الاصطناعي ليس مفهومًا جديدًا، بل يعود إلى عام 1956 عندما بدأ كفكرة تسعى لمحاكاة خصائص التعلم والذكاء البشري. ومع التطور التكنولوجي الهائل في الألفية الثالثة، زادت قدرة الحواسب على تخزين وتحليل البيانات الضخمة، ما أدى إلى قفزة نوعية في إمكانيات الذكاء الاصطناعي.
قدرات الذكاء الاصطناعي وحدوده
يعرّف عبد التواب الذكاء الاصطناعي بأنه القدرة على استرجاع البيانات المخزنة، وإيجاد علاقات بينية بينها للوصول إلى استنتاجات جديدة. كما يشير إلى أن تعلم الآلة يسمح للأنظمة بالتفاعل مع بيئتها والتكيف مع المستجدات دون تدخل بشري مباشر. ورغم هذه القدرات، لا يزال الذكاء الاصطناعي مقيدًا بمجالات محددة، حيث لا يمكنه أداء مهام متنوعة خارج نطاق تدريبه.
«شات جي بي تي».. إعجاب واتهامات
أحدث «شات جي بي تي»، منذ إطلاقه في نوفمبر 2022، ثورة في عالم التكنولوجيا، لكنه في الوقت نفسه أثار مخاوف عديدة. يرى الكاتب أن الانبهار بالقدرة اللغوية للتطبيق يقابله قلق متزايد بشأن دقة المعلومات التي يقدمها، خاصة أن المستخدمين غالبًا ما يأخذون إجابات الذكاء الاصطناعي كحقائق مطلقة دون تمحيص.
الشركات الكبرى والمنافسة المحتدمة
يشير الكتاب إلى أن النجاح السريع لـ«شات جي بي تي» دفع عمالقة التكنولوجيا إلى تعديل استراتيجياتهم، حيث دخلت شركات مثل مايكروسوفت وجوجل المنافسة عبر تطوير نماذج لغوية خاصة بها، مما عزز التوجه نحو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي اللغوي.
اتهامات خطيرة.. بين القلق والواقع
يستعرض الكاتب عددًا من التهم الموجهة إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومنها:
انتهاك حقوق الملكية الفكرية: إذ تعتمد النماذج اللغوية على بيانات مستمدة من إبداعات بشرية دون تعويض صُنّاعها.
إضعاف القدرات العقلية البشرية: إذ يسهل الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، مما قد يقلل من مهارات التحليل والتفكير النقدي لدى البشر.
التلاعب بالمعلومات ونشر الشائعات: حيث يمكن أن تساهم هذه التقنيات في تضليل المستخدمين، خاصة عند استنادها إلى مصادر غير موثوقة.
التأثير على سوق العمل: إذ تشير التوقعات إلى فقدان ملايين الوظائف بسبب الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، رغم أنه قد يعزز وظائف أخرى.
مستقبل الوظائف في ظل الذكاء الاصطناعي
يركز الكاتب على تقرير منظمة العمل الدولية الصادر في أغسطس 2023، والذي يحلل تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، فبينما يُتوقع فقدان نحو 75 مليون وظيفة عالميًا، فإن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في تحسين وإعادة تشكيل 427 مليون وظيفة أخرى.
يضع كتاب «العصابة.. محاكمة شات جي بي تي» الذكاء الاصطناعي في قفص الاتهام، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول كيفية استخدام هذه التكنولوجيا بشكل مسؤول، بحيث تُعزز الإبداع البشري بدلاً من أن تحل محله. فهل يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتمكين البشرية، أم يتحول إلى سلاح يهدد مستقبلها؟