تقتصر الدراما الرمضانية على الترفيه فقط، بل أصبحت منصة قوية لطرح القضايا الاجتماعية التى تلامس واقع المجتمع.. فى موسم رمضان هذا العام، تناول عدد من المسلسلات موضوعات حساسة مثل العنف ضد المرأة، التنمر، والاحترام فى الحب، مما أثار نقاشات واسعة حول تأثير هذه الأعمال على الوعى العام .. ويبقى السؤال المهم، هل تقدم الدراما حلولًا حقيقية لهذه المشكلات، أم أنها تستغلها فقط لإثارة الجدل وجذب المشاهدين؟.
سارة عزيز، مديرة ومؤسسة منظمة Safe Egypt ومراجع المحتوى العلمى والنفسى للطفل فى مسلسل «لام شمسية»، قالت إن الأعمال الدرامية حين تُقدم القضايا النفسية والاجتماعية بشكل دقيق، فإنها تُسهم فى رفع الوعى وتصحيح المفاهيم المغلوطة، مما يساعد فى تحقيق تغيير إيجابى فى المجتمع.
وأضافت: «الدراما ليست مجرد قصص تُروى، بل هى انعكاس لحياة أشخاص حقيقيين، يعانون من هذه المشكلات يوميًا. عندما تُطرح هذه القضايا فى أعمال درامية، يصبح من الأسهل على الناس فهمها والتعامل معها بوعى أكبر.»
وتُعد «رابطة الصدمة»، واحدة من الظواهر النفسية التى تناولتها الدراما هذا العام، كما ظهر فى العلاقة بين «عبيد» ووالده «ماجد» فى مسلسل «ولاد الشمس». وتوضح سارة عزيز، أن هذا المفهوم يشير إلى تعلق الضحية عاطفيًا بالمعتدى بسبب التناوب بين القسوة واللطف، مما يجعل الضحية تشعر بأن المعتدى هو مصدر الأمان الوحيد رغم كونه سبب الألم.

وأشارت إلى أن هذه الظاهرة تتجلى فى ثلاثة عوامل رئيسية هى التناوب بين العنف واللطف، مما يخلق حالة من التعلق المشوّه، والعزلة الاجتماعية، حيث يتم إبعاد الضحية عن التأثيرات الخارجية، والتهديد المستمر، مما يجعل الضحية ترى البقاء مع المعتدى كخيار وحيد.
وشددت على أن «رابطة الصدمة لا تقتصر على العائلات فقط، بل قد تظهر فى العلاقات العاطفية والمهنية أيضًا، حيث يجد بعض الأشخاص صعوبة فى مغادرة بيئات سامة بسبب هذا التعلق المشوّه.»
تتناول سارة قضية العنف ضد المرأة، التى عكستها شخصية «عبير» فى مسلسل «٨٠ باكو»، حيث كانت تتعرض للضرب من زوجها وسط مبررات اجتماعية مغلوطة. وتوضح: للأسف، لا يزال البعض يبرر العنف ضد النساء بمفاهيم خاطئة، مثل (الزوجة يجب أن تتحمل)، أو (أكيد هى السبب فى استفزازه)، لكن الحقيقة واضحة أنه لا يوجد أى مبرر للعنف، وأى شخص يستطيع ضبط نفسه فى العمل، يمكنه التحكم فى انفعالاته داخل المنزل.

وتشير سارة عزيز، مديرة ومؤسسة منظمة Safe Egypt إلى أن الدراما تسهم فى تغيير هذه المفاهيم قائلة: «عندما نشاهد شخصية مثل عبير تُعاني، فإننا نرى انعكاسًا لقصص حقيقية لنساء كثيرات، وهذا يدفع المجتمع للتفكير فى كيفية دعم المرأة وحمايتها بدلًا من تبرير العنف ضدها.»
وتتناول سارة قضية التنمر وتأثير الكلمات الجارحة على الأفراد، مشيرة إلى أحد المشاهد فى مسلسل «٨٠ باكو»، التى تأثرت فيها العروس بتعليق جارح من والد زوجها حول لون بشرتها، مما جعلها تفكر فى تغيير شكلها فقط للحصول على القبول.
وتقول: « التنمر اللفظى قد يكون مؤذيًا بقدر التنمر الجسدي، مجرد كلمة قد تترك أثرًا لا يُمحى فى نفسية الشخص، وتجعله يشعر بأنه غير مقبول كما هو.»
وتضيف: «علينا أن نُعلّم أطفالنا أن يحبوا أنفسهم كما هم، وألّا يشعروا بأنهم مضطرون للتغيير من أجل إرضاء الآخرين. التنوع هو ما يجعلنا مميزين، والمجتمع الصحى هو الذى يقبل جميع أفراده دون إصدار أحكام مسبقة.»
وتتحدث سارة عن أهمية الاحترام فى العلاقات العاطفية، مستشهدة بعلاقة «على وفريدة»، فى مسلسل كامل العدد ، التى عكست كيف يمكن للحب أن يتحول إلى ضغط نفسى عندما يغيب الاحترام.
وتوضح: «الحب الحقيقى لا يعنى أن يُشعر أحد الطرفين الآخر بأنه مضطر للتغيير أو التخلى عن مبادئه، الشخص الذى يحبك بصدق سيحترم اختياراتك، طموحك، وعائلتك، وليس أن يعوضك بالأذى كما كان يفعل على مع فريدة.»
كما تشير إلى تأثير تجارب الطفولة على العلاقات المستقبلية، قائلة: «فريدة كانت تخشى الهجر لأنها فقدت والدتها فى سن مبكرة وعاشت إحساسًا دائمًا بعدم الأمان. هذه التجارب شكلت قراراتها العاطفية فيما بعد. وهذا يدفعنا للسؤال: هل نوفر لأطفالنا الأمان العاطفى الكافي؟ أم أننا نتركهم يبحثون عنه فى أماكن أخرى قد تؤذيهم؟»
وتضيف: «علاقتنا بأطفالنا اليوم هى التى تحدد شكل علاقاتهم المستقبلية. لذلك، علينا أن نكون لهم مصدر الحب والدعم، حتى لا يقعوا فى علاقات غير صحية بحثًا عن الأمان الذى لم يجدوه فى طفولتهم.»
وتؤكد سارة أن القضايا التى تناولتها الدراما الرمضانية هذا العام تُظهر كيف يمكن للفن أن يكون أداة فعالة للتغيير المجتمعي.
وتقول: «حين تطرح الدراما قضايا مثل رابطة الصدمة، العنف ضد المرأة، التنمر، والاحترام فى الحب، فإنها لا تكتفى بعرض المشكلات، بل تفتح الباب للحوار المجتمعى حولها، وهذا هو دور الفن الحقيقي: أن يجعلنا نرى الواقع بعيون مختلفة، ويدفعنا للتفكير فى كيفية تحسينه.»
وتختم حديثها قائلة: «نحن بحاجة إلى المزيد من الأعمال التى تُسلط الضوء على هذه القضايا بوعى وإنسانية، لأن الدراما ليست مجرد قصص تُروى، بل هى مرآة للمجتمع ورسالة يمكن أن تصنع فرقًا فى حياة الكثيرين.»
وقال دكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع إن تأثير الدراما على المجتمع يعتمد على كيفية تناولها للقضايا الاجتماعية. وأضاف : «الدراما يمكن أن تكون وسيلة فعالة لزيادة الوعي، لكنها فى بعض الأحيان تقع فى فخ التناول السطحى أو الإثارة بهدف جذب المشاهدين، مما قد يؤدى إلى نتائج عكسية. فمثلاً، حين يتم تقديم العنف الأسرى فى إطار درامى قوى دون معالجة حقيقية للآثار النفسية والاجتماعية، قد يؤدى ذلك إلى تطبيع هذه الظاهرة بدلًا من محاربتها.»
وأشار إلى أن بعض المسلسلات الرمضانية تناولت قضايا مثل رابطة الصدمة و العنف ضد المرأة والتنمر، لكنها لم تقدم حلولًا واضحة، مما يطرح تساؤلات حول مدى التزام الدراما بمسؤوليتها الاجتماعية.
وأكد: «هناك فرق بين عرض المشكلة وتقديم حلول واقعية، والمطلوب من الدراما أن تطرح نماذج إيجابية إلى جانب تسليط الضوء على المشكلات، حتى لا يتحول الأمر إلى مجرد سرد للمعاناة دون أمل فى التغيير.»
من جهة أخرى، يرى سلطان محمد «ناقد فني»، أن بعض المسلسلات اعتمدت على الصدمة الدرامية لجذب المشاهدين، مما أثر على المصداقية.
وأضاف : «فى بعض الأعمال، يتم المبالغة فى تصوير العنف أو الأزمات النفسية دون مراعاة البعد الواقعي، مما قد يخلق صورة نمطية غير دقيقة عن هذه القضايا.»
وأشار إلى أن نجاح الدراما فى تناول القضايا الاجتماعية لا يعتمد فقط على مدى انتشارها، بل على قدرتها على تقديم معالجة عميقة ومدروسة بعيدًا عن الاستغلال الدرامي.