هذا الزجّال العظيم بيرم التونسي (1893/ 1961) حكاية درامية هائلة، قدمت عن حياتها المضطربة والصعبة، أعمال فنية كثيرة، ولكنها لا تقارن بتفاصيل الأحداث التي عاشها هذا الرجل، سواء في مصر، أو في غربته الطويلة في فرنسا، أو في تونس، ولاتقارن أيضا بحجم موهبة وثراء شخصية بيرم التونسي ، الإسكندراني ابن حي السيّالة، ذي الأصول التونسية، والكاتب الجسور الذي دفع كاملا ثمن جرأته، وشاعر العامية المحكية الكبير، وكاتب الأغاني بلهجات متعددة، والذي كان أمير الشعراء أحمد شوقي، يخاف علي الفصحي من إبداع بيرم الخالد.
لكن جزءا هاما من شهرة بيرم، تكفلت به فوازير رمضان التي كتبها لسنوات في إذاعة البرنامج العام، وبصوت الإذاعية الراحلة آمال فهمي، التي دخلت تاريخ الإذاعة بالفوازير، وببرنامج معروف استمر لسنوات هو "علي الناصية"، كما أنها مؤسسة محطة الشرق الأوسط، وكانت رئيسة هذه المحطة المتألقة.
عدت إلي نصوص فوازير بيرم التونسي الأولي التي دشنت هذا النجاح الكبير، الذي أغري التليفزيون بنقل الفكرة، لتصبح الفوازير بعد ذلك من عناوين برامج رمضان وطقوس مشاهدته، ولسنوات طويلة صنعت نجوما ونجمات مثل ثلاثي أضواء المسرح (جورج وسمير والضيف)، وسمير غانم ، ونيللي وشيريهان.
فوزاير بيرم الإذاعية المؤسسة كانت بسيطة وذكية وخفيفة الظل، إنه يكتب مثلا هذه الفزورة: " فاكهة يا فكهاني/ حلوة يا حلواني/ في البيت ما تكفيني/ وفي الشارع كافياني" ، يفكر المستمعون المتخمون بالطعام بعد الإفطار، فتعيد لهم آمال فهمي الفزورة، متذوقة إيقاع الكلمات، وموضع الجناس، فيبدأ المستمعون في استعراض أنواع الفواكه التي ينطبق عليها وصف الشاعر، ثم يعرفون في النهاية أن الفزورة عن فاكهة الموز، التي لا تكفي من يلتهمها في بيته، من فرط حلاوتها، ولكنها يمكن أن " تكفي" المرء علي وجهه، إذا ألقي قشرها في الطريق.
هكذا كان الشكل الأول من الفوازير: بسيط ولكنه لطيف وخفيف وسريع أيضا، إذ أن مدة الفزورة لا تزيد عن خمس دقائق، ولم تكن جائزتهـــــا الأولـــي تزيد عن خمسة جنيهات، ورغم ذلك فقد كانت تتصدر قائمة تفضيلات المستمعين، وهــــــم الذين كانوا سببا في استمرارها طيلة هذه السنوات، لقد استعاد بيرم شكلا قديما من الأشعار، أو بمعني أدق من النظم الذي يُعني بالألغاز والفوازير، ويُلقي في جلسات المؤانسة والإمتاع بين الأصدقاء، ولكن بيرم كتبه بالعامية المصرية، وبطريقة أبسط وأظرف، ثم جاء صوت آمال فهمي الواعي باللغة نطقا وإلقاء وموسيقي، فكان النجاح الذي عايشنا جانبا منه، وأحسب أنه نجاح لن يموت، خاصة مع وجود تسجيلات للفوازير القديمة، ليتهم يكررون إذاعتها حتي تستمع إليها، وتستمتع بها، كل الأجيال الجديدة.
نشأ بيرم في حي شعبي سكندري، دخل الكتاب مثل أطفال زمنه، ولكن شغف بالشعر، وتأثر بهجاء ابن الرومي، وبأزجال مجلة فكاهية اسمها "حمارة مُنيتي" لصاحبها محمد أفندي توفيق، وعندما وقع في يد بيرم كتاب عن عروض الشعر، انفتح أمامه باب النظم، وسر الكتابة، ورغم التحاقه بالمعهد الديني، إلا أنه لم يكمل دراسته، وثقّف نفسه بنفسه، وأثرت حياته الخاصة علي مستقبله كله، فاضطر للعمل في مهن متواضعة، ولكنه لم يترك أبدًا شغفه الدائم حد المرض بالقراءة والكتابة، ولا تخلّي عن حلمه بأن يكون شاعرا مثل الشعراء الذين يقرأ لهم.
بداية شهرته كانت بالتأكيد من خلال قصيدة "المجلس البلدي" الفصيحة الساخرة، التي تهاجم ضرائب ورسوم مفروضة علي الناس، وقد نشر القصيدة في جريدة اسمها "الأهالي"، تخاطفها القراء بسبب قصيدته، ثم طبع القصيدة بشكل مستقل، وما زلتُ أتذكر بعضا من أبياتها الفكاهية، لأن أبي كان مفتونا بالقصيدة، وكان يردد ساخرا بيت بيرم الشهير :
" يابائع الفجل بالمليم واحدة / كم للعيال وكم للمجلس البلدي ؟!!"
أحببتُ بيرم من هذا العمر المبكر، عن طريق كتاب عن تاريخ فن الزجل وجدته في مكتبة أبي، وكان يحتوي علي فصل مستقل عن بيرم العظيم، ونماذج من أزجاله الشهيرة، وكان الكتاب من تأليف زجّال شهير آخر هو محمد عبد المنعم
(أبو بثينة)، الذي يعرفه الكثيرون ككاتب أغاني، من أشهر ما كتب أغنية عبد الوهاب "لمّا انت ناوي تغيب علي طول/ مش كنت آخر مرّة تقول".
ورغم المنافسة بين بيرم وأبو بثينة، إلا ان الأخير أعطاه حقه، وأشاد بموهبته الخارقة ، ولكنه تحدث أيضا عن قصيدة بيرم الشهير "البامية الملوكي والقرع السلطانــــــي"، والتي كانت سببا في نفي بيرم، وذهابه إلي تونس، ثم فرنسا، ومحاولاته الكثيرة للعودة خلسة إلي مصر، وقد عاد فعلا متخيفا، وبقي في مصر لمدة 14 شهرا، ثم اكتُشف أمره، فنفوه من جديد إلي فرنسا، حيث عاني وتشرد لمدة تسع سنوات جديدة، وعندما مرت سفينة كان يستقلّها بيرم بميناء بورسعيد ، نزل إلي الشاطئ، وعاد إلي مصر، ثم كتب قصيدة اعتذار شهيرة، أدت إلي التغاضي عن وجوده في مصر، وبعد العام 1952 حصل علي الجنسية المصرية، وتوفي في العام 1961.
أسرتني روائع بيرم في الغزل وفي الوصف، وفي أغنياته الشهيرة الوطنية والعاطفية، من "انا المصري كريم العنصرين" إلي "برضاك ياخالقي" و"غني لي شوي شوي"، و"القلب يعشق كل جميل" و"الحب كدة"، وكان أيضا كاتبا للحوار في أفلام شهيرة مثل "عنتر وعبلة".
كان أستاذا في الظرف وخفة الظل، ومصريا حتي النخاع، اسمتعت إلي أبي أيضا وهو يردد قصيدة بيرم عندما تسلل إلي بورسعيد، فهزّني هذا الحنين الكبير عند بيرم إلي وطنه، وهو يقول:
" غلبت أقطع تذاكر/ وشبعت يارب غربة
بين الشطوط والبواخر/ ومن بلدنا لأوربة"
بيرم الساخر الذي أصدر جريدة "المسلّة" ووصفها بأنها " لاجريدة ولا مجلّة"، ثم أصدر جريدة بعنوان "الخازوق"، كتب حكايته في قصيدته الشهيرة، التي يبدأها قائلا : "الأولة مصر قالوا تونسي ونفوني/ جزاة الخير وإحساني/ والتانية تونس وفيها الأهل جحدوني/ وحتي الغير ما صافاني/ والتالتة باريس وفي باريس جهلوني/ وأنا موليير في زماني".
كان موهبة عظيمة كتب الزجل والمقامة والأغنية، وصنع كاركاتيرا مكتوبا، وانتقد أهل المغني، وطلب منهم "دقيقة سكوت لله"، وانتقد التفرنج والتقليد الأعمي صارخا:" مازاد عليكي با مرة/ إلا المجرجر من ورا"، وكتب مقارنات هزلية شهيرة مثل :" هاتجن يا ريت يا اخوانا ما رحتش لندن ولاّ باريس"، وقال بصريح العبارة :" يا شرق فيك جوّ منوّر والعقل ظلام".
كان ابن مجتمعه وزمنه، وكان شاعرا متمكنا، يعبر بقوة واقتدار، ومرة أخري فإن الدراما التي عاشها لم تكتب بعد في رأي، مع كل الاحترام والتقدير لمن اجتهد وحاول، أما تأثيره في الشعراء التاليين له، فهو كبير وضخم، فقد وصفه تلميذه صلاح جاهين بأنه " أبونا كلنا وصبية".
يقول صلاح جاهين في رثاء بيرم فيكيفنا مشقة البحث عن خاتمة لهذا المرور العابر بمحيط واسع اسمه بيرم:
"جاية عروس الشعر م البغالة/ بملاية لفّ وكفّ متحنيّ
شافت صوان وحبال وناش شغّالة/ وانا بابكي جنب الباب ومستنّي
مين اللي مات ياشاب بابو دموع/ قالت عروس الشعر للموجوع
مين اللي مات ياشاب قوللي يا خويا/ قالت عروس الشعر ليكون ابويا
أنا قلت ابونا كلنا ياصبية"
رحم الله بيرم وجاهين نجمي رمضان، ونجمي كل الأزمنة والعصور.