جامعة القاهرة.. اختيار الرؤساء ومنبر الخطابات التاريخية

جامعة القاهرة.. اختيار الرؤساء ومنبر الخطابات التاريخيةجامعة القاهرة

مصر6-4-2025 | 10:20

تظل جامعة القاهرة، بتاريخها العريق ومكانتها العلمية والثقافية، منارة للفكر ومقصدًا للرؤساء وزعماء العالم الذين اختاروا هذا الصرح العظيم لتوجيه رسائلهم وخطاباتهم إلى الشعب المصري والعالم أجمع. ومن أحدث هذه الزيارات المرتقبة، زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 7 أبريل 2025، حيث اختار قبة جامعة القاهرة لتكون محطة هامة في زيارته الرسمية لمصر.

هذه الزيارة تأتي في إطار تعزيز العلاقات الثقافية والاقتصادية بين مصر وفرنسا، وتعد تأكيدا جديدا على مكانة جامعة القاهرة كمنبر دولي. فليس من قبيل المصادفة أن تتكرر زيارات الرؤساء الأجانب لهذا المكان تحديدًا، بل هو اعتراف بقيمته التاريخية والعلمية والثقافية التي امتدت لما يزيد عن قرن.

جامعة لها تاريخ

تأسست جامعة القاهرة في 21 ديسمبر عام 1908 تحت اسم "الجامعة المصرية"، كمشروع وطني نهضوي بتمويل شعبي، في مواجهة رفض الاحتلال البريطاني لفكرة إنشاء جامعة وطنية مستقلة. ساهم في إنشائها عدد من رموز النهضة والتنوير في مصر مثل مصطفى كامل، سعد زغلول، قاسم أمين، وبدعم من الأمير أحمد فؤاد الذي أصبح لاحقًا الملك فؤاد الأول.

وفي عام 1925، أُعيد تأسيس الجامعة بموجب قرار ملكي، وأصبحت جامعة حكومية باسم "الجامعة المصرية الحكومية"، ثم تغير الاسم إلى "جامعة فؤاد الأول"، إلى أن أصبح اسمها الحالي "جامعة القاهرة" بعد ثورة يوليو 1952.

ومنذ بدايتها، كانت الجامعة بمثابة صرح حضاري يعكس هوية مصر الثقافية، وتضم اليوم أكثر من 25 كلية ومعهدًا، في مقدمتها كليات الطب، والهندسة، والعلوم، والآداب، والحقوق، والإعلام، والاقتصاد والعلوم السياسية، وغيرها من التخصصات التي تواكب التطور العلمي والبحثي.

تخرج منها عدد من أبرز رموز العلم والثقافة والسياسة في مصر والعالم العربي، مثل الدكتور أحمد زويل الحائز على نوبل، والكاتب نجيب محفوظ، وطه حسين، والدكتور مجدي يعقوب، والرئيس الراحل جمال عبد الناصر. كما تحظى بترتيب متقدم في التصنيفات العالمية، وتحرص على إدخال التخصصات المستقبلية كالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والطاقة المتجددة.

قبة الجامعة.. قاعة التاريخ

يعد مبنى القبة، أو "Grande Salle de Bal"، من أهم رموز جامعة القاهرة، وقد تم بناؤه في عهد الملك فؤاد الأول عام 1928، حين وضع حجر الأساس لمبنى إدارة الجامعة. صمم المهندسون الفرنسيون المبنى على الطراز الأوروبي، ليحاكي من الخارج مبنى البرلمان المصري، ومن الداخل قاعة الأوبرا المصرية القديمة. هذه القبة شهدت على مدار العقود أهم الخطابات والاحتفالات، وتحولت إلى منصة رسائل دولية وقومية.

جامعة القاهرة واختيار الرؤساء

كان من الطبيعي أن تكون هذه القاعة العريقة قبلة للزعماء والرؤساء حول العالم، ومن أبرز هذه الزيارات:

جاك شيراك (1996): في 8 أبريل 1996، ألقى الرئيس الفرنسي جاك شيراك خطابًا في جامعة القاهرة، أكد فيه على أهمية العلاقات الفرنسية المصرية، ودعم بلاده لعملية السلام في الشرق الأوسط، وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم.

باراك أوباما (2009): في 4 يونيو 2009، ألقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطابه الشهير "بداية جديدة" في جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة الأزهر، ساعيا إلى مد جسور التفاهم بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، متناولًا قضايا الإرهاب، والصراع العربي الإسرائيلي، وحقوق المرأة والديمقراطية.

رجب طيب أردوغان (2012): خلال زيارته إلى مصر في نوفمبر 2012، ألقى الرئيس التركي (وقتها رئيسًا للوزراء) رجب طيب أردوغان خطابًا في جامعة القاهرة، أعرب فيه عن دعمه للثورة المصرية، وأشاد بقرار سحب السفير المصري من إسرائيل ردًا على العدوان على غزة، مؤكدًا تضامن تركيا مع الشعب الفلسطيني.

إيمانويل ماكرون (2019): في يناير 2019، اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبة جامعة القاهرة لتكون محطة ضمن زيارته الرسمية لمصر، التقى خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وزار الكاتدرائية وشيخ الأزهر. وقد عبّر ماكرون عن أهمية الشراكة الثقافية بين مصر وفرنسا، مؤكدًا استمرار العلاقة التاريخية التي تربط البلدين.

فاليري جيسكار ديستان (1975): جدير بالذكر أن جامعة القاهرة منحت الدكتوراه الفخرية للرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان عام 1975، تقديرًا لدوره في دعم العلاقات الثقافية بين البلدين.

الزيارة المرتقبة لرئيس فرنسا إيمانويل ماكرون (2025): من المقرر أن يزور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جامعة القاهرة في 7 أبريل 2025، حيث يلتقي مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في إطار زيارته الرسمية لمصر. الزيارة تأتى في إطار تعزيز العلاقات الثنائية بين مصر وفرنسا، ومناقشة القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، خاصة فيما يتعلق بإعادة إعمار غزة. الزيارة ستكون فرصة ل ماكرون لإلقاء كلمة في قبة جامعة القاهرة، في خطوة جديدة لتعزيز الشراكة الثقافية بين البلدين. هذا الاختيار يدل على الارتباط القوي بين فرنسا ومصر في مجال التعليم والثقافة.

ليست مصادفة.. بل اختيار واع

اختيار جامعة القاهرة من قبل الرؤساء والقيادات العالمية لتوجيه خطاباتهم ليس مصادفة، بل هو اعتراف دولي بمكانة هذه المؤسسة العلمية الرائدة، التي تجمع بين أصالة التاريخ وحداثة العلم، وتعير عن هوية مصر الثقافية والمجتمعية. هذا الصرح ليس مجرد مؤسسة تعليمية، بل شاهد على التحولات الكبرى التي مرت بها مصر والمنطقة، ومنبر يحمل صدى العالم.


من جاك شيراك إلى أوباما، ومن أردوغان إلى ماكرون، تظل جامعة القاهرة هي الاختيار المفضل للرؤساء، والمرآة التي تعكس روح مصر العلمية والثقافية. قبتها لا تزال تحمل كلمات الرؤساء، وتاريخها لا يزال يكتب فصولًا جديدة من التأثير والعراقة.

أضف تعليق

الأكاديمية العسكرية ومنظومة بناء الإنسان

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان