مراكز للتجميل و العلاج الطبيعي في قبضة غير المؤهلين

مراكز للتجميل و العلاج الطبيعي في قبضة غير المؤهلينأحد مراكز التجميل

بينما يقضى الآلاف من الأطباء سنوات طويلة فى قاعات الدراسة وساعات مرهقة فى التدريب الإكلينيكي، تظهر إلى السطح ظاهرة قاتمة تهدد الصحة العامة، وتضرب فى عمق الثقة بالمنظومة الصحية «انتحال صفة الطبيب». لم يعد الأمر مقتصرا على حالات فردية، بل بات مشهدا مكررا فى مراكز التجميل والعلاج الطبيعى وعيادات مجهولة تعمل خارج الرقابة، يتحول فيها الجهل والربح السريع إلى سلاح قاتل فى يد غير المؤهلين.

خلف لافتات براقة مثل «مركز عناية بالبشرة»، «نحت الجسم بالليزر»، أو «خبيرة تجميل معتمدة»، تختبئ وقائع ممارسة طبية غير مشروعة، يتورط فيها أشخاص لا يملكون أى خلفية علمية، ويستندون فقط إلى دورات قصيرة غير معتمدة، أو شهرة رقمية صنعوها عبر «فيديوهات التيك توك» و»قصص الإنستجرام».

فى هذا المشهد المربك، تختلط التسميات، خريجة كلية الإعلام تتحول إلى «خبيرة تجميل»، ومدرب رياضى يروج لنفسه كأخصائى علاج طبيعي، وخريج كلية العلوم يقدم خدمات حقن الفيلر والبوتوكس، دون ترخيص أو إشراف طبي.

قال الدكتور رفيق محمد، أخصائى جراحة التجميل: «بعض الحالات التى تأتينا للعلاج تكون من مضاعفات تكون قد تلقت خدمات طبية على يد فاشونيستا أو مدرب تجميل، لم يمارس يوما الطب، بل يروج لنفسه عبر منصات التواصل. نحن أمام خلل ثقافى وتشريعى يسمح بتسلل هذه الفئة إلى أجساد الناس بلا حساب».

فى النصف الثانى من عام 2024 فقط، أعلنت وزارة الصحة عن غلق ما يقرب من 180 مركزا طبيا مخالفا، توزعت بين القاهرة والجيزة والإسكندرية والمنصورة، بعد ضبط ممارسات خطيرة منها استخدام أدوات غير معقمة، أدوية مهربة، أو إجراء تدخلات دون ترخيص طبي.
نوفمبر 2024: مركز تجميل شهير فى التجمع الخامس، تديره «بلوجر» مشهورة، خريجة إعلام، أغلق بعد ضبط أدوية منتهية وأجهزة ليزر غير معقمة.
أغسطس 2024: مركز فى المهندسين يقدم فيلر وبلازما، تديره سيدة غير حاصلة على أى شهادة طبية، بل دبلومة من جهة تجميل غير معترف بها.
يناير 2024: وفاة شاب بالإسكندرية داخل مركز «علاج طبيعي»، تبين لاحقًا أن من نفذ الجلسة مجرد مدرب رياضى دون أى تأهيل طبي.
إحصاءات إدارة العلاج الحر تشير إلى أن 40% من المخالفات تتعلق بمراكز «عناية بالبشرة» تمارس فى الواقع الطب التجميلى دون غطاء قانوني، مستغلة ثغرات التصنيف والمسمى الوظيفي.
ترى الدكتورة زينب مهدي، أستاذة علم النفس والعلاقات الأسرية، أن المجتمعات تعيش تحولا خطيرا فى معايير الثقة. فبدلا من المؤهلات، أصبح «عدد المتابعين» مقياسا للخبرة. تقول: «ما يعرف بالضغط التجميلى دفع كثيرين، خاصة من الشباب، إلى اتخاذ قرارات صحية خطيرة بناء على توصيات مؤثرين، لا على نصائح طبية علمية.
وأضافت أن هذا التحول لا يمس فقط الثقافة الصحية، بل يعكس اختلالا نفسيا أعمق يتطلب وقفة مجتمعية. وتؤكد: نحتاج إلى حملات توعية تضع حاجزا واضحا بين الترويج والتخصص، بين الشهرة والكفاءة، لأن صحة الناس ليست سلعة تخضع للعرض والطلب.
وراء هذا المشهد، تقف شهادات مؤلمة لضحايا لجأوا إلى هذه المراكز، ليجدوا أنفسهم فى مواجهة تشوهات أو عدوى أو عمليات تصحيح لاحقة.
شيماء (26 عامًا): أصيبت بعدوى فيروس الورم الحليمى البشرى بعد جلسة ليزر فى مركز غير مرخص.
مروة (32 عامًا): خضعت لتقشير كيميائى بمادة غير معتمدة، ما سبب التهابات حادة وتشققًا جلديًا.
دينا (43 عامًا): أصيبت بتورمات وتكتلات بعد «فيلر» بمادة مجهولة، خضعت لاحقًا لجراحة لإزالة المادة.
الدكتور عماد مسعد، أستاذ الأمراض الجلدية بجامعة عين شمس، يشرح خطورة ما يجرى قائلا «ليست المشكلة فقط فى سوء النتائج التجميلية، بل فى الأمراض المعدية التى قد تنقل بسبب أدوات غير معقمة، مثل السنط التناسلى أو الهربس أو حتى الإصابة بفيروسات خطيرة». ويؤكد أن البوتوكس الملوث قد يسبب شللا جزئيا، وأن تقنيات الليزر الخاطئة قد تحرق الجلد وتدمر الأنسجة.
ويؤكد المستشار محمد عثمان، الخبير القانوني، أن أحد أكبر التحديات يكمن فى الفراغ التشريعي. وبعض المراكز تعمل بترخيص تجميل، لكنها تمارس الطب. القانون الحالى لا يتيح ملاحقتها إلا إذا ثبت وجود أذى مباشر، ولا يفرض اشتراطات مزاولة دقيقة لمن يقدم خدمات طبية تحت غطاء تجميلي.
ويضيف أن مواقع التواصل تمثل بيئة خصبة للترويج المضلل، داعيا إلى رقابة على المحتوى الإعلانى وضرورة إدراج ترخيص مزاولة المهنة فى كل إعلان صحي.
تشير مراجعة عشوائية لأكثر من 50 حسابا على إنستجرام وتيك توك، إلى أن أغلب المؤثرين فى مجال التجميل يروّجون لخدمات دون ذكر طبيب أو مركز مرخص، مستخدمين عبارات مثل «التجربة الشخصية»، «قبل وبعد»، أو «كنت خايفة لكن النتيجة خرافية».
هذه اللغة العاطفية تغذى القرار الاستهلاكى العفوي، وتبعد المتابع عن التحقق من التخصص أو الترخيص.
وتحذر الدكتورة إيمان عبد الله، استشارية الطب النفسى الأسري، من تحول الجمال إلى «هوس مرضي»، مشيرة إلى أن عمليات التجميل لم تعد وسيلة لتحسين مظهر، بل محاولة للهروب من مشكلات أعمق، كالطلاق، التنمر، أو تأخر الزواج. وتؤكد أن بعض الحالات أصبحت تطلب التجميل بهدف التشبه بنجمات شهيرات، دون أى حاجة طبية، ما يعكس اضطرابا فى صورة الذات.
وتضيف: فقدت بعض السيدات حياتهن نتيجة خضوعهن لعمليات غير ضرورية، فقط لأنهن لم يشعرن بالرضا عن مظهرهن. الجمال تحول إلى معيار مصطنع، يقاس بالشفاه المنتفخة والحواجب المرفوعة وعدد اللايكات، لا بالثقة الداخلية.
وتدعو إلى إعادة تعريف الجمال باعتباره توازنا نفسيا وجسديا، لا عملية تجميلية كل شهر، مشيرة إلى أهمية دعم بدائل طبيعية كالتغذية والرياضة والعناية الذاتية.
فى نهاية المطاف، لا تؤذى هذه الظاهرة المرضى فقط، بل تقوض الثقة فى المهنة الطبية، وتخلق تصورا زائفا بأن أى شخص بالمعطف الأبيض هو بالضرورة طبيب. وهى خرافة قد تكون قاتلة.
الحل يبدأ من تقنين جديد، وتعديل تشريعى حقيقى يلاحق كل من يمارس الطب دون ترخيص، ويغلق الباب أمام تحويل الشهرة إلى ترخيص وهمي. نحتاج إلى حملات توعية وطنية، وقوانين تحدد من يحق له إجراء التدخلات الطبية، ومن يجب أن يُسأل قانونيًا عند الخطأ.
فالطب ليس مجالا للتجريب، والصحة ليست سلعة رقمية، والمعطف الأبيض لا يجب أن يرتديه إلا من أقسم قسم المهنة عن علم، لا عن إعلان.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان