«أنا مش محتاجة راجل يكون معايا طول الوقت.. يكفيني آخر الأسبوع» – بهذا التصريح أثارت إحدى المدونات على "تيك توك" موجة من الجدل، بعدما دعت إلى شكل جديد من الزواج أطلقت عليه "زواج الويك إند"، معتبرة أنه يناسب " البنات المستقلة" و"المطلقات اللي مش عايزين وجع دماغ".
لم يكن الفيديو مجرد مزحة عابرة، بل كاشفًا لتوجه جديد بدأ يتسلل بهدوء إلى الثقافة الاجتماعية في مصر والعالم العربي، تحت مسميات مثل "زواج البارت تايم" أو "الويك إند"، حيث يتفق الطرفان على الزواج الشرعي الكامل ولكن بتواجد زمني جزئي، غالبًا ليومين في الأسبوع أو حتى يوم واحد.
ورغم أن العقود تكتب وفقًا للضوابط الدينية، إلا أن التسمية والمضمون أثارا مخاوف متعددة، بين من يعتبرها حرية شخصية تناسب نمط الحياة الحديث، ومن يرى أنها تهدد البنية العاطفية والقانونية للأسرة.
هل هو زواج أم ترتيب مؤقت؟
توضح الدكتورة سارة رجب، استشارية العلاقات الأسرية، أن هذا النوع من العلاقات قد يبدو "مرنا" في البداية، لكنه في العمق يفتقد لأهم أسس الزواج: الاستقرار والدعم النفسي.
"العلاقة الزوجية الطبيعية لا تقنن باليوم والساعة، بل تقوم على حضور وجداني مستمر. زواج البارت تايم يخلق شعورا دائما بالوحدة والانتظار، خاصة لدى المرأة، ويدخلها في حالة من عدم الأمان العاطفي."
وتتابع: "قد يتحمل البالغون هذه المعادلة، لكن ماذا عن الأطفال؟ كيف تشرح لهم أن الأب يأتي فقط في عطلة نهاية الأسبوع؟"
هروب من المسؤولية لا مرونة
من منظور اجتماعي، يرى الدكتور عبد الحكيم الشيخ، أستاذ علم الاجتماع ، أن هذه الأنماط تعكس حالة من الهشاشة الأسرية، وتفكك في مفاهيم الارتباط.
"عندما يتحول الزواج إلى جدول زيارات أو اتفاق زمني، فنحن لسنا أمام مؤسسة أسرية، بل مجرد شراكة عابرة. هذا النوع من الزواج غالبا ما يكون محاولة للهروب من الأعباء، لا لبناء علاقة حقيقية."
ويحذر من أن هذه الصيغة – رغم شرعيتها الشكلية – قد تؤدي لارتفاع معدلات الانفصال والنزاعات على الحضانة والنفقة، خاصة مع غياب التزامات الإقامة المشتركة.
قانونيًا.. لا يحفظ الحقوق
من جانبها، تؤكد المحامية مها السيد، المتخصصة في قضايا الأحوال الشخصية، أن هذا النوع من الزواج يفتح الباب أمام ثغرات قانونية خطيرة:
"في كثير من هذه الحالات، لا يتم توثيق الزواج رسميا إلا بعد فترة، بدعوى التجربة. وفي حالة الانفصال، لا تستطيع المرأة المطالبة بنفقة أو إثبات حقوقها بسهولة، خاصة إن لم يتم الاعتراف الكامل بالعقد في السجلات الرسمية."
وتشير إلى أن بعض حالات "البارت تايم" تقترب قانونيا من الزواج العرفي المقنع، مما يعرض الطرف الأضعف – غالبا المرأة – للابتزاز أو التنصل من الحقوق.
"حرية مشروطة" أم تسليع للمرأة؟
تعتبر رانيا عبد الله، ناشطة في قضايا المرأة أن هذه الصيغة من الزواج تعزز ثقافة الاستهلاك في العلاقات الإنسانية:
"الزواج بالويك إند قد يروّج له كخيار حر للمرأة، لكن في الحقيقة هو خيار مفروض على من لا تملك بدائل. بعضهن تقبلن بذلك بدعوى الاستقلال، بينما الواقع أن كثيرا منهن قمن به تحت ضغط الحاجة أو الخوف من العنوسة أو الطلاق."
وترى رانيا أن هذه الظاهرة لا تنفصل عن خطاب عام يسعى لتقليص دور المرأة في الأسرة، وتحويلها إلى "شريك مؤقت" بدلا ًمن أن تكون عماد البيت.
الدين: لا تحايل في النوايا
من الناحية الشرعية، يوضح الدكتور محمد عبد الرحمن، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الزواج الذي يستوفي الشروط الشرعية (الولي، الشهود، المهر، الإيجاب والقبول) يعد صحيحا في الظاهر، لكنه قد يكون باطل النية إن شُرط له التأقيت.
"التسمية بارت تايم أو ويك إند توحي بنيّة مؤقتة، وهي نية تتنافى مع مقصد الزواج في الشريعة، القائم على الدوام والاستقرار."
ويشدد على أن الشريعة لا تمنع التنظيم، لكنها ترفض التحايل، مضيفًا: "أي علاقة زوجية تبنى على تملص من الواجبات وتهرب من المودة والرحمة ليست علاقة مشروعة، حتى لو كُتب لها عقد."
تشوه في المفاهيم لا تحديث في النمط
في النهاية، لا يخرج "زواج البارت تايم" و"الويك إند" عن كونهما محاولات لتكييف العلاقة الزوجية مع إيقاع الحياة الحديثة، لكنه تكيف مضطرب ومفخخ بالمخاطر. هو أقرب إلى "حل سهل لمشكلة صعبة"، يتجاوز الواقع دون أن يعالجه.
قد يمنح الطرفين راحة مؤقتة، لكنه يحرم العلاقة من استقرارها، ويترك الأطفال – إن وجدوا – وسط منظومة مهتزة ومجزأة.
الزواج ليس جدول زيارات.. بل حياة كاملة تبدأ بالتزام لا بشروط زمنية. والحديث عن تطوير شكل العلاقة لا يجب أن يتم على حساب معناها.