على مدار آلاف السنين، ظل اللبن رمزا للصحة والتغذية، وارتبط بالحكمة الإلهية في القرآن الكريم، وتغذى عليه النبي محمد ﷺ، وفضّله بين الأطعمة. إلا أن موجة جديدة من الشكوك ظهرت مؤخرًا على منصات التواصل الاجتماعي، تشكك في فوائده وتحذر من أضراره. فهل اللبن لا يزال غذاء متكاملا أم أصبح سببا للمشكلات الصحية؟ في هذا التقرير، نستعرض رؤية د. عماد سلامة، أخصائي التغذية العلاجية، ونتناول الحقائق العلمية حول اللبن، فوائده وأضراره، مع الرد على أبرز الشائعات المنتشرة.
يقول الدكتور عماد سلامة، أخصائي التغذية العلاجية، إن اللبن يعتبر من أقدم المشروبات الطبيعية التي عرفها الإنسان، واستخدمها كغذاء متكامل منذ آلاف السنين. ويستشهد بقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ﴾
كما يشير إلى أن النبي ﷺ كان يُحب اللبن ويفضله، واصفًا إياه مع التمر بـ"الأطيبان".
ورغم هذا التاريخ الطويل، ظهرت في الآونة الأخيرة تحذيرات عبر السوشيال ميديا تدّعي أن اللبن ضار للصحة. فما الحقيقة؟
اللبن غذاء شبه متكامل
يوضح د. سلامة أن اللبن البقري يُعد من الأغذية الكاملة تقريبًا، لاحتوائه على 18 عنصرًا غذائيًا من أصل 22 يحتاجها جسم الإنسان يوميًا.
كوب واحد من اللبن كامل الدسم يحتوي على:
276 ملغ كالسيوم (28% من الاحتياج اليومي)
12 ميكروغرام حمض فوليك
24 ملغ مغنيسيوم
205 ملغ فوسفور
322 ملغ بوتاسيوم
فيتامين A وB12
7-8 جرام بروتين من نوعي الكازين والواي
كميات أخرى من الزنك، الحديد، السيلينيوم، فيتامين E، K، النياسين، الثيامين، والريبوفلافين.
الفوائد الصحية المؤكدة
1. الشبع وتنظيم الوزن:
اللبن لا يرفع الوزن كما يُشاع، بل يساعد في تقليل الشهية، وفق دراسات متعددة.
2. نمو العظام والعضلات:
البروتينات والكالسيوم في اللبن تعزز من كثافة العظام، خاصة للأطفال والحوامل.
3. تقوية الأسنان والعظام:
احتواؤه على الكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم يجعله داعمًا قويًا لصحة الهيكل العظمي.
4. تقليل خطر السكري:
بعض أنواع الدهون في اللبن تساعد على تنظيم السكر في الدم، وهناك مستخلصات دوائية حديثة تُستخدم لعلاج السكري مشتقة من بروتينات اللبن.
5. دعم صحة القلب:
اللبن الكامل يمكن أن يرفع الكوليسترول الجيد (HDL) ويقلل ضغط الدم، خاصة إذا كان من أبقار تُغذّى على أعشاب طبيعية.
الأضرار المحتملة.. لكنها ليست للجميع
رغم الفوائد، يشير د. سلامة إلى ضرورة الانتباه لبعض الأضرار المحتملة:
1. ظهور حب الشباب:
خاصة عند تناول اللبن خالي أو قليل الدسم، نتيجة تأثيره على بعض الهرمونات مثل IGF-1.
2. زيادة بعض مشكلات الجلد:
قد يفاقم الإكزيما أو الوردية لدى البعض، في حين قد يُحسّنها لدى آخرين. الحساسية فردية.
3. حساسية اللبن:
7.5% من الأطفال يعانون منها، وتسبب أعراضًا مثل الطفح الجلدي، الإسهال أو الإمساك، وقد تصل إلى ضيق التنفس.
4. ارتباط ببعض السرطانات:
الإفراط في تناول الكالسيوم قد يرتبط بسرطان البروستاتا، كما توجد دراسات محدودة تربط اللاكتوز بسرطان المبيض. لكن هذه النتائج لم تُعمم، وتتعلق بكمية ونوع اللبن.
5. عدم تحمل اللاكتوز:
نحو 65-70% من البشر يعانون من صعوبة في هضمه، وقد يُسبب لهم انتفاخًا أو تقلصات.
توصيات ونصائح
لا تُسرف في تناول اللبن، حتى لو لم تكن تعاني من حساسية أو مشاكل في الهضم.
الأشخاص المصابون بحساسية الألبان، أمراض المناعة، القولون، الغدة الدرقية، أو الأورام عليهم تجنبه أو استشارة الطبيب.
البدائل المناسبة تشمل الزبادي، اللبن الرايب، والجبن المُعتّق، خاصة لمن يعانون من مشاكل الهضم.
الرد على الشائعات: هل اللبن يحتوي على هرمونات؟
بحسم، يوضح د. سلامة أن الألبان المُستخدمة في معظم الدول العربية لا تحتوي على هرمونات مضافة. وحتى لو كانت موجودة، فإنها تتحلل في الجهاز الهضمي ولا تصل إلى الدم. لذا، فالفزع من "هرمونات اللبن" غير علمي ولا يستند إلى أدلة.
وأخيرا، اللبن غذاء متكامل ومفيد لمعظم الناس، لكنه ليس مناسبًا للجميع. المفتاح هو الاعتدال، والمعرفة بحالة جسمك. كما يؤكد د. سلامة: "كُلوا واشربوا ولا تُسرفوا"، مشددًا على أهمية توجيه التغذية حسب احتياجات كل شخص، لا بناءً على شائعة عابرة أو موضة غذائية مؤقتة.