"الشاطر" .. من الخفّة إلى الاستخفاف !

"الشاطر" .. من الخفّة إلى الاستخفاف !محمود عبد الشكور

الرأى3-8-2025 | 19:50

كتبت كثيرا عن تأثير سلسلة أفلام "أوشن"، وسلسلة أفلام "مهمة مستحيلة"، على عدد كبير من الأفلام المصرية ، التى تقوم حبكته على فكرة اللعبة والتويستات أو الانقلابات الدرامية الحادة، والتى تقدم السرقة والنصب كموضوع، بينما تتعامل بعض هذه الأفلام المصرية، وأبرزها بالطبع فنيا وجماهيريا سلسة "ولاد رزق" مع مستوى شعبى مصرى أقرب إلى الواقع، فإن أفلاما أخرى تضيف إلى ألعاب أوشن وعصابته ما يقترب جدا من سمات أفلام الكوميكس الأمريكية، بحيث تبدو الشخصيات كارتونية، وفيها الكثير من الخيال والسخرية.

يمكن أن نضع تجربة فيلم الشاطر ، الذى كتبه الرباعى كريم يوسف وأحمد الجندى واشرف نصر وسامح جمال وأخرجه أحمد الجندي، فى الفئة الثانية، إذ نبدأ من عناوين البداية برسوم تمثل الأبطال، وكأنهم نجوم حكاية من قصص الكوميكس، ولن نستغرق وقتا طويلا فى تحديد هوية الفيلم باعتباره من أفلام الأكشن كوميدي، فالبطل أدهم الشاطر ( أميركراراة) مصمم معارك ودوبلير، وهاهو ينتقم من النجمة شيرين رضا التى أهانته، فيسرع بالسيارة التى تحمله معها، ثم تنقلب السيارة بهما، ويؤكد المشهد أن الشاطر ليس شخصا يقبل الإهانة، وهو مغامر ومتهور بل ومجنون عند اللزوم.

هذا قانون الفيلم من بدايته : الحركة فى إطار مفارقة كوميدية، والخفة الكاملة، واللعب فى مساحة الكوميكس الحرة.

لا بأس فى كل ذلك، لأننا أمام أفلام أصبحت اليوم فى السينما المصرية أقرب إلى النوع المستقل والمتكرر والناجح، ولا بأس أيضا فى فكرة اللعبة عموما، لأن الدراما فى جوهرها قائمة على الافتراضات واللعب والتحولات والصراعات، ولكن مشكلة فيلم "الشاطر" أنه سيتحوّل من الخفة إلى الاستخفاف، ولن يؤسس جيدا للعبته أو عالمه، وسيبدأ بالاستسهال والسذاجة، فلا يمكنه بالتالى أن يصل بإقناع إلى التعقيد الذى أراد الوصول إليه فى النهاية، أى أن اللعبة لم تكن مقنعة فى كل مراحلها، وهى مشكلة تلك الأعمال بصفة عامة، لأن عنصرا واحدا فى غير مكانه، يمكن أن يهدم البناء، أو يدمر اللعبة كلها.

الضعف هنا فى النصف الأول من الفيلم، فاللعبة محورها الشاطر، وصديقه فتوح ( مصطفى غريب )، وعصفورة شقيق الشاطر ( أحمد عصام السيد)، وكرملة ( هنا الزاهد )، وعثمان الأناضولي، ذلك المجرم الذى يغسل الأموال فى تركيا ( الممثل اللبنانى عادل كرم)، والبناء كله قائم على مغامرة ساذجة يقوم بها الشاطر مع فتوح إلى تركيا، بعد أن شاهد أدهم شقيقه عصفورة فى فيديو، وهو مخطوف من عصابة مجهولة !، لذلك سيقوم أدهم بنفسه بمهمة الإنقاذ، ومعه فتوح الأحمق، الذى سرق أموال جمعية بين السيدات، لتمويل رحلة السفر !

تتم الرحلة بسذاجة منقطعة النظير، فحتى حكايات الكوميكس لاتصل إلى هذه الدرجة من الاستخفاف وفقر الخيال، لك أن تعرف مثلا أن الشاطر سيحاول أن يتعرف على خاطف شقيقه من خلال وشم على يدّ الرجل، وأنه سيصل بسهولة إلى زعيم العصابة، والى الفتاة التى سحبسها الزعيم فى قصره لأنها لا تريد أن تتزوجه، والأهم من ذلك أن الشاطر سيضرب رجال الزعيم، وستهرب معه كرملة بعد أن سرقت فلاشة من الزعيم، عليها تفاصيل عملائه الذين يغسل لهم أموالهم.

يفتقد هذا الجزء أى إقناع حتى فى إطار الكوميكس، بينما يفترض أنه الجزء المؤسس للعبة كلهأ، ويزيد الطين بلّة أن العودة إلى القاهرة، تكشف للشاطر أن شقيقه فتوح فى البيت، وأنه ادعى اختطافه، مما ينهى الفيلم عمليا، أما مسألة تحويل اللعبة من تحرير عصفورة إلى المساومة بشأن الفلاشة التى تحملها كرملة، فهو فيلم آخر جديد، سيعاد التأسيس له، وسيقود إلى حبكات وانقلابات كثيرة معقدة، ولكنها تتأسس من جديد على مقدمات غير مقنعة.

أسئلة متعددة تبدو بلا إجابات أهمها كيفية اطمئنان الشاطر إلى كرملة، التى تبدو كشخصية غير منتمية لشيء سوى لنفسها، وكيفية اطمئنانه إلى اللعب بمساعدة فتوح الأحمق، وعصفورة الكاذب والباحث عن الترند، يضاف إلى ذلك مواصلة الصراع ضد زعيم عنيف عرف الشاطر شراسته فى تركيا، ولا مجال للقول إن الأهم هو تفاصيل اللعبة، لأن الإقناع يبدأ بالتأسيس الجيد وليس بالتفاصيل، وخصوصا أنك ستنتقل من البساطة إلى التعقيد، وصولا إلى التحولات العديدة التى ظهرت فى الجزء الأخير من الأحداث.

نتيجة لكل هذه الفوضى، بدت الحكاية فى الجزء الأخير كمجرد توافيق وتباديل منفتحة بلا نهايات، وتحولت الشخصيات إلى قطع شطرنج تنتقل بكل استخفاف بما لا يتناسب مع طبيعتها، وصولا كالمعتاد إلى هدف الثراء، وفتح الباب على جزء، أو ربما أجزاء قادمة.

وإذا كان الفيلم يثبت أن أحمد الجندى يمكنه أن يصنع فيلم أكشن جيد، فإن الغريب أن المشاهد الكوميدية الجيدة، والكوميديا مجال تخصص الجندي، قليلة للغاية، بل إن مصطفى غريب ،الكوميديان المدهش، يبدو هنا أقل بريقا وحضورا، وكذلك زمليه الصاعد أحمد عصام السيد، على عكس هنا الزاهد، التى بدت الأفضل والأكثر ظرفا، وما زالت محاولات أمير كرارة مضطربة: إجادته لمشاهد الحركة لا شك فيها، ولكن أداءه بعيدا عن تلك المشاهد يبدو متذبذبا، فمرة يؤدى بطريقة مقبولة، ومرات يهرب منه الإفيه أو التعبير المناسب.

لدينا حشد كبير من ضيوف الشرف الذين تتطلبهم هذه الأعمال، أفضلهم شيرين رضا وأحمد مكي، ولكن التنميط والضعف الذى ظهر به رجال العصابات، الذين لعب أدوارهم: عادل كرم وخالد الصاوى ومحمد القس، كان من أسباب ضعف اللعبة، فإذا كان فريق الشاطر من البلهاء، فإن فريق الأشرار أكثر بلاهة وحمقا.

لا أعرف إلى أين تتجه هذه النوعية من الأفلام؟ لكنى أخشى أن تستهلك كل ألعابها، ويتشبع الجمهور من هذه الخفة التى تنتهى إلى الاستخفاف.

يومها لن تنفع الشطارة ولا الأكشن، ولن تجدى لعبة الثراء السريع عبر السرقة أو النصب على النصابين وغاسلى الأموال .

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان