ربما لا يكون فيلم إلى أرض مجهولة الذي أخرجه واشترك في كتابته المخرج الدانماركي الفلسطيني مهدي فليفل عملا استثنائيا أو عظيما، ولكنه فيلم محكم البناء والتفاصيل، يجسد من جديد مأساة اللاجيء الفلسطيني الهارب من القهر والاحتلال والفقر الى شتات جديد في أوروبا، وهو أيضا من تلك الأفلام التي لا تجد في الهجرة حلا للمأساة، وإنما هي ضياع كامل، وقد تكون موتا أيضا، ولاشك أن هذه الرؤية تتسق مع رؤية الحكومات وجهات التمويل الأوروبية، بعد أن أصبح اللاجئون صداعا في رأس أوروبا.
الفيلم هو أول فيلم روائى طويل لمهدى فليفل، الذى قدم من قبل فيلما وثائقيا مهمًا بعنوان "عالم ليس لنا"، رشح لأوسكار أفضل فيلم وثائقي ، وفيلمه "إلى بلد مجهول " اشترك فى برنامج نصف شهر المخرجين فى مهرجان كان 2024، وأعتقد أن الترشيح مرتبط أساسا بقضية الفيلم، وبقدرة مخرجه على تقديم عمل مؤثر من حكاية متكررة عن محاولة الهجرة إلى أوروبا، مع خصوصية الحالة الفلسطينية المزمنة، وإن كنت أعتقد أن برنامجا خاصا فى مهرجان كان يجب أن يختار ما هو أكثر تفردا، وليس فقط الأعمال جيدة الصنع.
الكتابة هى أفضل ما فى الفيلم مع بعض الملاحظات، فمنذ المشاهد الأولى نرى شاتيلا وابن عمته رضا وهما يمارسان السرقة فى أحد شوارع أثينا: يدّعى رضا السقوط أمام سيدة عجوز، فتساعده السيدة، بينما يخطف شاتيلا حقيبتها، ولكنهما لا يجدان فى الحقيبة سوى 5 يورو فقط، وعندما يعودان إلى المكان البائس الذى يقيمان فيه مع اللاجئين ، يخفى شاتيلا النقود فى مكان سري.
وبعد فترة يسطو رضا على المال، وينفقه على تعاطى المخدرات، فتضيع أول فرصة للثنائى شاتيلا ورضا لدفع المال إلى مروان (منذر رياحنة)، لتهريبهما من اليونان إلى ألمانيا، وتحقيق حلم شاتيلا بإنشاء مقهى خاص مثل مقهى والده، ثم استقدام زوجته وابنهما من مخيم فى لبنان, والاستفادة من قدراتها فى مجال الطبخ.
تتأسس الدراما كلها على هذا الحلم، الذى يصطدم بواقع صعب وأقرب إلى الكابوس، كما تتأسس على هذه العلاقة العاطفية بين شاتيلا وزوجته التى تتواصل معه تليفونيا، وكذلك تلك العلاقة الخاصة الأبوية بين شاتيلا وابن عمته رضا، حيث استأمنته عمته على سلامته، لأن رضا يدمن المخدرات، ولم يفلح فى شيء داخل المخيم، ثم تجبر شاتيلا ظروف الحياة فى اليونان، وأيام الضياع واليأس من تدبير فرصة للوصول إلى ألمانيا، على التوحش الكامل، وكلما تعقدت الأحداث، زادت التصرفات جنونا وكابوسية، وتراجعت مساحة الحلم، وصولا إلى النهاية المأسوية.
يدفع الأحداث إلى الأمام شخصيتان هامتان إضافيتان: الطفل الفلسطينى مالك الذى جاء إلى اليونان بمفرده، وتحاول عمته فى إيطاليا أن تأخذه إليها، ولكنها تشترط على مروان مهرب اللاجئين إلا تدفع له إلا بعد وصول ابن أخيها إلى إيطاليا، والشخصية الثانية هى تاتيانا، وهى فتاة ضائعة لا نعرف لها عملا، وكانت فى حاجة إلى عناية أكبر فى كتابة ظروفها البائسة، وبعد أن يتعرف عليها شاتيلا، تخطر له فكرة أن تكون تاتيانا أما مستعارة لمالك، وأن يحصل شاتيلا ورضا على أموال تهريب مالك إلى إيطاليا، بدلا من أن يحصل مروان على هذه النقود.
يبدو مالك كما لو كان امتدادا للماساة الفلسطينية بقدومه من غزة، ثم بغموض مصيره هو وتاتيانا، وانتقال اللعبة من جديد إلى مرحلة أخطر، عندما يقوم مع رضا واثنين من أصدقائهما باختطاف ثلاثة من اللاجئين السوريين، واستخدامهم لكى يقوم مروان بتسهيل هروب شاتيلا ورضا إلى ألمانيا، ويشعر رضا بالصدمة لأنه يمارس العنف ضد لاجئين بائسين مثله، ولكن شاتيلا لا يريد أن يتوقف عن حلم الخروج من اليونان إلى ألمانيا، حتى ينتهى الفيلم بمأساة تفقده الحلم ورضا أيضا.
إلى حد كبير كان السرد سلسا ومحكما، والعلاقات مدروسة بدقة، والشخصيات واضحة الدوافع والتصرفات، وشاتيلا بالذات يتنازل بالتدريج حتى يعترف بالتوحش ويبرره، والعلاقة بين هذه المغامرة اليائسة وأحوال المخيم فى لبنان، أو ظروف غزة واضحة وأساسية، وفى أحد أفضل مشاهد الفيلم يقوم أبو الحب، شريك شاتيلا ورضا، بإلقاء قصيدة محمود درويش الشهيرة "حاصر حصارك لا مفر" على الجميع، بينما تتابع الكاميرا وجوه اللاجئين السوريين المخطوفين، فكأن هذه المأساة فى اليونان قد خرجت من يأس فلسطينى قديم، وإن كان المعنى يتضمن أيضا بعض السخرية لما وصل إليه الأمر من المقاومة فى الوطن المحتل والتمسك به وضرب العدو الأصلي، إلى خطف لاجئين سوريين، والمساومة بهم على الهجرة !
اختار مهدى فيلفل أسلوبا بسيطا يتابع من خلاله بالكاميرا بطليه فى كل مكان، ويختصهما أحيانا بلقطات كبيرة تبرز تعبيراتهما فى المواقف المتأزمة، لم يصطنع تكوينات جمالية، ولكنه قدم الواقع بقبحه المكانى واللفظى، وخصوصا فى مكان اللاجئين، مع أداء جيد من بطليه محمود بكرى (شاتيلا) وآرام صباح (رضا)، وكذلك من منذر رياحنة فى دور مروان سمسار التهريب وتزييف الهويات، وكانت الممثلة التى لعبت دور تاتيانا هى الأقل بين ممثلى الفيلم.
يمكن قراءة "إلى أرض مجهولة" باعتباره مزيجا بين المأساة الفلسطينية بخصوصيتها المعروفة، وبين مأساة اللاجئين عموما، بل ويمكن أن نرى فى الفيلم ترجمة لمعنى التغريبة الفلسطينية بشكل آخر، هذه المرة التغريبة فى أوروبا، والفلسطينى يتحرك من الاحتلال إلى الشتات، ومن الضياع إلى الضياع، وبدلا من أن يكون دافعه الحلم فى البداية، فإنه يتحرك الآن بدافع اليأس .
الشتات انتقل هنا من اليهودى إلى الفلسطيني، والهجرة ليست حلا، لأنها ستحول شاتيلا ورضا إلى وحوش، وسنرى فى الفيلم أن شاتيلا عند لحظة معينة، وبسبب الرغبة فى الحصول على المال، سيدفع رضا إلى بيع جسده لمن يطلب اللذة، وسنرى رضا وهو يسرق حذاء من أحد المحلات، ويبيعه بثمن بخس، بعد أن اكتشف أن مقاس الحذاء ليس مناسبا لمن حرّضه على السرقة.
لم يكن الفيلم فى حاجة إلى أن نرى وشم خريطة فلسطين على جسد رضا، لأن رضا بمأساته، وكذلك شاتيلا ومالك الصغير، ما هم إلا تنويعات على مأساة فلسطين، ومصائر أهلها، بعد سنوات طويلة من النكبة.
لن نعرف مصير مالك، وسيموت رضا، وسيبقى شاتيلا ضائعا، وهو الذى يذكرنا اسمه بمذبحة شهيرة، وسنرى المأساة داخل أوتوبيس فارغ يعبر شوارع أثينا، دون نهاية أو توقف.