في مشهد غير مألوف على الشاشة العربية، انتشرت مؤخرًا لقطات مؤثرة لآباء وأمهات يقبّلون أيدي أبنائهم، سواء في حفلات الزفاف أو التكريمات أو حتى المناسبات العائلية الخاصة.
ورغم أن هذه التصرفات بدت عفوية، فإنها أشعلت جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من اعتبرها قمة التواضع والرحمة، ومن رأى فيها انتقاصًا من مكانة الوالدين وخلطًا للأدوار داخل الأسرة.
من الفن إلى الحياة.. صور لم تمر مرور الكرام
أبرز اللقطات كانت للفنان محمد فؤاد حين قبّل يد ابنته في حفل زفافها، ثم فاجأ الحضور بتقبيل يد عريسها قبل عقد القران.
كما التقطت عدسات الكاميرا الفنانة غادة عبد الرازق وهي تقبّل يد ابنتها "روتانا" في عيد ميلادها، وسط ضحكات وتعليقات مؤثرة.
وفي موقف مشابه، أقدم الفنان محمود حميدة على تقبيل يد ابنته "آية" على الهواء مباشرة، بينما لم يستطع الفنان أحمد زاهر تمالك مشاعره أثناء تكريم ابنته "ليلى" في مهرجان فني، فانحنى ليقبّل يدها وسط تصفيق الجمهور.
مشاهد حملت الكثير من الحب، لكنها أثارت في الوقت نفسه أسئلة عن حدود "البر" وشرعية ما يسمى بـ"البر العكسي".
بين الحلال والحرام.. كلمة الشرع
الدكتور محمد عمران، أستاذ الفقه، أكد أن تقبيل الآباء لأيدي أبنائهم ليس محرما شرعا، ما دام الأمر لا يتضمن إذلالا للنفس أو مبايعة أو خضوعًا، بل يأتي في إطار الرحمة والمودة. ويضيف: "الشرع كرم الوالدين، وجعل برهما عبادة، لكن هذا لا يمنع من وجود لحظات إنسانية يظهر فيها الأب أو الأم امتنانهم لأبنائهم، خاصة في مواقف الدعم أو تجاوز الأزمات."
رسالة حب أم عبء نفسي؟
من جانب آخر، ترى استشارية العلاقات الأسرية سارة رجب أن هذه اللحظات قد تحمل رسائل حب عميقة، لكنها في الوقت ذاته قد تُربك الأبناء:
"الابن يشعر بالفخر حين ينحني والده ليقبّل يده، لكنه قد يتساءل في داخله: هل أصبحتُ أنا قائد الأسرة عاطفيا؟ وهل يليق بي أن أتحمل هذا الثقل النفسي؟"
ثقافة جديدة أم استعراض أمام الكاميرات؟
البعض يرى أن ما يحدث يعكس تغيرا في صورة الأب العربي، الذي لم يعد مجرد "سلطة صامتة"، بل شريك وجداني قادر على التعبير عن مشاعره دون أن يفقد هيبته. لكن في المقابل، يحذر خبراء من مبالغة بعض النجوم في عرض هذه اللحظات أمام الجمهور، الأمر الذي قد يحوّلها من لحظة صدق إنساني إلى مشهد استعراضي يفتقد لحرارة المشاعر الحقيقية.
بين التقدير والهيبة.. إعادة تعريف "البر"
بين من يصفها بأنها قبلة تقدير، ومن يعتبرها علامة ضعف، تبقى الظاهرة محل نقاش مفتوح في مجتمعات عربية ما زالت تقيس الاحترام بموازين السلطة والهيبة. ومع تكرار هذه المشاهد، يبدو أننا أمام إعادة صياغة لمفهوم "الحب الأبوي"، وربما لإعادة تعريف "البر" ذاته في زمن تتغير فيه المعايير الأسرية والإنسانية.