الدبلوماسية الاقتصادية النشطة.. رهان عُمان على المصالح المشتركة مع العالم

الدبلوماسية الاقتصادية النشطة.. رهان عُمان على المصالح المشتركة مع العالم توقيع اتفاقية تعاون بين عُمان ومصر في الأنشطة الصناعية

عرب وعالم24-8-2025 | 11:34

تُعدُّ الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة إحدى الأدوات التي تعوِّل عليها سلطنة عُمان في سَعْيها نَحْوَ جذب المزيد من الاستثمارات، ومنذُ تَولِّي السُّلطان هيثم بن طارق مقاليد الحُكم، حرص على الاستفادة من العلاقات الممتدَّة والطيِّبة التي تجمع السَّلطنة بكافَّة دوَل العالم على الصعيد الاقتصاديِّ.
وكان الملفُّ الاقتصاديُّ حاضرًا وبقوَّة خلال الزيارات المتبادلة لسلطان عُمان مع قادة الدوَل التي قام بزيارتها خلال الفترة الماضية؛ واتضح ذلك جلياً في العديد من الجولات التي قام بها سلطان عُمان إلى الخارج، إيمانًا منه بأهميَّة الدَّور الدبلوماسيِّ في تحقيق التنمية الشاملة المستدامة للاقتصاد الوطنيِّ، وأهميَّة تبادل المصالح بَيْنَ الدوَل في تحقيق الاستقرار والسَّلام في كافَّة رُبوع المعمورة، ودَوْرها في تعزيز النهج العُمانيِّ القائم على الحياد الإيجابيِّ والاحترام المتبادل وتنمية المصالح المشتركة.
ولَمْ يكتفِ السُّلطان هيثم بن طارق، بتعظيم الاستفادة من العلاقات الدبلوماسيَّة على مستوى القيادة، بَلْ جاءت توجيهاته حاضرةً للخارجيَّة العُمانيَّة بضرورة وأهميَّة عمل سفارات سلطنة عُمان بالخارج بكثافة لجعل الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة من الأركان الأساسيَّة التي تقوم بها السفارات في مختلف الدوَل لجلبِ الاستثمار إلى البلاد. وأضحى مصطلح الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة حاضرًا قولًا وفعلًا، وأصبحت إحدى أهمِّ الطُّرق الدَّاعمة لِمَا تملكه من مُقوِّمات اقتصاديَّة تُحقِّق النُّمو المُستدام المَرجوَّ.
ومع عِظَم التحدِّيات والأزمات المتوالية الَّتي ظهرت على الاقتصاد العالَمي، ظهرت وسائل جديدة لمواجهةِ تلك التحدِّيات عَبْرَ تعميق التَّعاون الدّولي والاقتصادي، القائمة على تبادُل المنفعة؛ لتتحوَّل الدبلوماسيَّة وفقَ الفِكر الإستراتيجي من وسيلةٍ لإقامة علاقات طيِّبة مع الجميع إلى أداةٍ تسعى إلى التَّعاون الاقتصادي والتَّنموي المستدام، الَّذي يعكس تطلُّعات الشُّعوب وطموحات الحكومات في تحقيق أهداف التَّنمية المستدامة على الصعيدَيْنِ الإقليمي والعالَمي.
والمؤكد أن سلطنة عُمان اعتمدت في طريقها نَحْوَ تحقيق تطلُّعاتها الاقتصاديَّة، وتوفير البيئة المناسبة لإحداث التَّنمية المستدامة الشَّاملة، الَّتي تُلبِّي احتياجات وطموحات المواطن العُماني، على عددٍ من والعوامل المُهِمَّة المنطلِقة من رؤية « عُمان ٢٠٤٠» السَّاعية للوصولِ إلى التنويعِ الاقتصادي المأمول، وذلك عَبْرَ رؤى وخطط وبرامج توازِن بَيْنَ تحقيق الاستدامة الماليَّة، وبَيْنَ تقديم حوافز لجذبِ الاستثمار، الَّذي سيكُونُ القاطرة الَّتي ستقود الاقتصاد الوطني نَحْوَ الأهداف المرجوَّة.
كما تستفيد من كافَّة المُقوِّمات الَّتي تملكها في سبيل جذب الاستثمار، خصوصًا الاعتماد على الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة القائمة على ما تملكه سلطنة عُمان من علاقات مميَّزة مع نطاقها الإقليمي، ومحيطها العالَمي، الَّذي يتميَّز بإرثٍ مميَّز يُمكِن أن يُبنى عَلَيْه، وإقامة علاقات اقتصاديَّة قائمة على تبادل المنفعة، ما ينعكس إيجابًا على الجهود التنمويَّة.
وقد أثبتت سلطنة عُمان أنَّ سياستها الخارجيَّة تنطلق من رؤية ترسِّخ مفهوم الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة؛ باعتبارها أداة فاعلة في عالم اليوم. ويعكس استقبال وزير الاستثمار والصناعة والتجارة الأوزبكي دَوْر السِّياسة العُمانيَّة الخارجيَّة، الَّتي تضع المصالح المشتركة في صدارة أجندتها، وتربط العلاقات السِّياسيَّة بروابط اقتصاديَّة تعزِّز متانتها، وتَضْمن استمراريَّتها، انطلاقًا من الرُّؤية الَّتي أرساها قائدها السياسي، والَّتي جعلتْ من الدبلوماسيَّة العُمانيَّة نموذجًا يَقُوم على الموازنة بَيْنَ الحكمة السِّياسيَّة والبراجماتيَّة الاقتصاديَّة، حيثُ تقاس العلاقات الدوليَّة بقدرتها على التحوُّل إلى مشاريع ملموسة واستثمارات، تعود بالنَّفع على البُلدان وتُلبِّي طموحات وتطلُّعات الشعوب.. فهذه الزيارة الَّتي يَقُوم بها الوفد الأوزبكي تُمثِّل امتدادًا لنهج استراتيجي يسعى إلى جعل السِّياسة انعكاسًا لأولويَّات التَّنمية الوطنيَّة، وإلى أنْ تكُونَ العلاقات الخارجيَّة رافدًا مباشرًا للتنويع الاقتصادي.
وعِندَ النَّظر إلى الملفات المطروحة على طاولة الحوار بين الجانبين العُماني والأوزبكي، يظهر أنَّها جزء من خريطة دقيقة ترسم ملامح الاقتصاد الوطني في مرحلته الحاليَّة، ورؤيته المستقبليَّة المستدامة، فالنَّقل يُشكِّل العمود الفقري الَّذي يربط السَّلطنة بالأسواق العالميَّة، ويستند إلى موقع استراتيجي وبنية أساسيَّة متطورة من موانئ ومطارات وشبكة طُرق حديثة، والتعدين يُمثِّل قِطاعًا واعدًا قادرًا على تغذية صناعات استراتيجيَّة جديدة، ترفع القِيمة المُضافة، وتفتح فرصًا أمام الاستثمارات النوعيَّة.
أمَّا السِّياحة فهي الوجْه الحضاري والاقتصادي لعُمان، بما تملكه من تنوُّع بيئي وثقافي يتيح موارد ماليَّة متنامية ويعزِّز مكانتها العالميَّة. وتأتي الصناعة كركيزة أساسيَّة تضع أُسُس تنمية طويلة المدى، وتوفِّر فرص عمل مستدامة، واختيار هذه القِطاعات الأربعة يؤكِّد وعيًا استراتيجيًّا بضرورة تقليل الاعتماد على النفط، ويجعل الحوار مع أوزبكستان خطوة لتأسيس شراكات حقيقيَّة قادرة على المشاركة في صناعة التحوُّلات الكبرى.
ويتأكد هذا النَّهج من خلال الأدوات المؤسَّسيَّة الَّتي سخَّرتها سلطنة عُمان لخدمة رؤيتها، فجهاز الاستثمار العُماني وصالة (استثمر في عُمان)، تحوَّلا إلى منصَّات عمليَّة تستعرض الفرص الاستثماريَّة بآليَّات حديثة وحوافز واضحة، لتؤكِّد جديَّة السَّلطنة في سباق استقطاب رؤوس الأموال. فالعرض الَّذي قدِّم للوفد الأوزبكي جسَّد خريطة طريق عمليَّة لأيِّ مستثمر يبحث عن بيئة آمِنة وموثوقة.
وهذه المنصَّات تعكس نقلة نوعيَّة في أُسلوب الترويج الاستثماري، حيثُ تجمع بَيْنَ جهود القِطاعيْنِ العامِّ والخاصِّ، وتقدِّم رؤية شموليَّة تزيد من مصداقيَّة السَّلطنة أمام الشركاء الدوليِّين، والفَرق هنا أنَّ الدَّولة تقدِّم أدوات تجعل الأفكار مشروعات قابلة للتنفيذ، وهو ما يمنح عُمان ميزتها التنافسيَّة الإقليميَّة، ويجعلها وجهة استثماريَّة جادَّة تقدِّم نفسها بثقة، وتَبْني مصداقيَّتها من خلال مشروعات قائمة على الأرض.
ويبرز البُعد الاستراتيجي لهذه الزِّيارة في طبيعة الشَّريك ذاته.. فأوزبكستان ـ بموقعها في قلب آسيا الوسطى ـ تُمثِّل عقدة وصل بَيْنَ الصين وأوروبا، والتقارب معها يفتح ل عُمان نافذة جديدة تعزِّز مكانتها كمركز لوجستي عالمي، وهذا التعاون يتجاوز تبادل المنافع المباشرة ويضيف للسَّلطنة بُعدًا جيوسياسيًّا جديدًا يجعلها أكثر حضورًا في معادلات التجارة والطاقة العالميَّة.
كما يأتي في إطار تنفيد مستهدفات الدبلوماسية الاقتصادية، ما شهدته مقر سفارة سلطنة عُمان بالقاهرة، بيت عُمان" بالقاهرة، والتي أحدثت طفرة في العلاقات الاقتصادية والاستثمارات المشتركة بين عُمان ومصر، من خلال استضافة رجال الأعمال في البلدين والترويج للفرص الاقتصادية في عُمان، ولعل توقيع اتفاقية شراكة بين شركة الأمل الشريف للبلاستيك المصرية، وشركة زينوكس جلوبال من سلطنة عُمان، ضمن برنامج “لدائن” التابع لشركة أوكيو العُمانية الرائدة في قطاع الطاقة والبتروكيماويات، تحت رعاية السفير عبد الله الرحبي سفير السلطنة بالقاهرة ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية، يأتي كخطوة ولبنة أخرى في مسار تعزيز العلاقات العُمانية المصرية في مختلف المجالات، وتعظيم سبل الاستفادة من هذه العلاقات السياسية وترجمتها لإحداث نقلة نوعية في العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين مصر وعُمان.
وقد أكد السفير الرحبي في كلمته أن العلاقات السياسية بين سلطنة عمان ومصر تعيش أزهى عصورها، وتحظى باهتمام ومتابعة مستمرة من لدن جلالة السلطان هيثم بن طارق وفخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، وقال: نحن نقوم بتنفيذ توجيهات قيادة البلدين في النهوض بالعلاقات الاقتصادية، وزيادة حجم التبادل التجاري والاستثمار المشترك لتتواكب مع رؤية عمان ٢٠٤٠، ورؤية مصر ٢٠٣٠..
وقال سفير عُمان بالقاهرة، أننا نواصل العمل على ترجمة التاريخ المشترك العُماني المصري إلى شراكات اقتصادية وتنموية ملموسة، تخدم طموحات شعبي البلدين وتدفع بعجلة التنمية المستدامة.
وثمن السفير عبد الله الرحبي هذه الشراكة بين الشركتين العُمانية والمصرية، مؤكداً أنها ليست فقط اتفاقًا اقتصاديًا، بل نموذجٌ حيويٌ للتكامل العربي العملي، حيث تلتقي الخبرات المصرية الواسعة في التصنيع بالإمكانات العُمانية المتقدمة في البنية الصناعية والدعم اللوجستي، ضمن إطار استراتيجي يعزز الابتكار ويرفع القيمة المضافة.
وأوضح الرحبي أن هذا التعاون يأتي انسجامًا مع رؤية عمان 2040 ورؤية مصر 2030، حيث يقوم المشروع على تبادل الخبرات، ونقل التكنولوجيا، وتطوير منتجات عالية الجودة، وفق أعلى المعايير البيئية، بما يخدم الأسواق المحلية والإقليمية والدولية.
ويُعد مشروع “لدائن” من المبادرات الرائدة التي تهدف إلى دعم الصناعات التحويلية، ورفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي، وتحقيق الاستدامة البيئية، وهو ما يجعل هذه الشراكة نموذجًا يُحتذى به في ربط الصناعة بالتنمية.
وهكذا تؤكِّد سلطنة عُمان أنَّ الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة خيار استراتيجي وركيزة من ركائز سياستها الخارجيَّة، وأنَّها الأداة الَّتي ستُمكِّنها من تعزيز أمْنِها الاقتصادي، وترسيخ مكانتها الدوليَّة، وبهذا المسار ترسم السَّلطنة موقعها في التوازنات الجديدة للعلاقات الدوليَّة، وتثبتُ أنَّ مَن يستثمر في المصالح المشتركة يَضْمن لِنَفْسه حضورًا ثابتًا في مستقبل العالم.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان