كانت فرصة رائعة أن تعرض سينما زاوية النسخة التى تم ترميمها لتحفة شارلى شابلن " حمى البحث عن الذهب" التى عرضت لأول مرة فى العام 1925، وأعاد شابلن عرضها فى نسخة جديدة منقحة، مضاف إليها ومحذوف منها، ومضاف إليها الموسيقى، فى العام 1942، وكانت مفاجأة سارة أن يكون معظم الحاضرين للعرض من جيل الشباب، الذين صفقوا بعد نهايته، رغم أن الفيلم صامت وليس حديثا، ومرّ على تصويره وإنتاجه مائة عام بالتمام والكمال .
أسعدنى أكثر اختيار هذا الفيلم بالذات، والذى كان شابلن يقول إنه يتمنى أن يتذكره الناس به، وأظن أن تقدير النقاد والجمهور للفيلم فى محلّه، حيث يمثل محاولة ناضجة، قوية ومؤثرة، بسيطة وعميقة فى نفس الوقت، لعالم شابلن المدهش، ولقدرتهعلى تطوير أفكاره وحكاياته، ولبلورة طريقة وأسلوب لصنع الأفلام الطويلة، بعد سنوات من الأفلام القصيرة، بالإضافة إلى أن الفيلم يقدم دروسا جديدة من هذا الفنان العظيم، والذى كان يكتب الأفلام وينتجها ويمثلها ويخرجها ويقوم بمونتاجها ويضع لها الموسيقى أيضا، أى أنه نموذج لما نطلق عليه "فنان السينما"، بالمعنى الشامل للمصطلح.
أول هذه الدروس هى ضرورة توفر مهارات ثلاثة أساسية فى الفيلم لكى يكون الفيلم جيدا تأليفا وإخراجا، هذه المهارات واضحة تماما فى "حمى البحث عن الذهب" وهى : تطوير الفكرة وليس الحصول عليها فقط، وأن تعرف كيف تحكى وتسرد، والبراعة فى خلق الأجواء، والتأثير من خلالها.
الفكرة المحورية فى الفيلم هى الصراع من أجل الحصول على الثروة، باكتشاف الذهب فى ألاسكا، وهو ما يظهر فى اللقطات الأولى المذهلة لطوابير من الناس وسط الثلج الأبيض، جاءوا ومعهم أدوات وخيام، ومعهم أحلامهم أيضا، ولكن شابلن، الذى كان ينصح دوما بتطوير وتعميق الأفكار إلى أفكار أخرى أو تركها، بنطلق من هذه الفكرة إلى بحث آخر عن الحب، وهو الخط الآخر الذى ينتقل بينه وبين البحث عن الذهب، أى أن الفيلم ليس فقط عن "ذهب الأرض"، كما قد نظن لأول وهلة، ولكنه عن ذهب آخر أثمن وأغلى وهو ذهب القلب والروح، حيث تنشأ علاقة بين المتشرد الفقير شارلي، وبين الفتاة الجميلة جورجيا، والحكاية عن الثروتين معا : الذهب والحب .
عرف شابلن أيضا كيف يحكى قصته، فقد بدأ بالصراع على الذهب، الذى يتحول مع رفيقيه فى بيت الجليد إلى صراع على البقاء، ثم انتقل إلى حكاية جورجيا التى تستخدم شارلى لمواجهة الشاب الذى يطاردها، ثم تتحول إلى الاهتمام بشارلي، وبحبه فى نهاية الأمر، ومن خلال حركة شارلى بين أماكن البحث عن الذهب، والبحث عن الحب فى صالة الرقص التى تتواجد بها جورجيا، ومن خلال استعادة صديق شارلى لذاكرته، ومعرفته بمكان الذهب، تقام جسور إضافية بين حبكة الذهب، وحبكة الحب، ويحصل المتشرد الفقير فى نهاية سعيدة على الاثنين معا.
من براعة السرد أيضا أنه فى الحبكتين توجد صراعات قوية، ففى البيت وسط الجلد، يواجه شارلى مع زميليه خطر الموت من العاصفة، والموت بسبب الجوع، وفى خط دورجيا هناك صراع المواجهة بين شارلى البائس، وجاك الشاب حبيب النساء، والذى يتفوق على شارلى فى الوسامة والجاذبية، ولدينا أيضا صراع أقل خفوتا بين جورجيا وذاتها، حتى تستقر على حب شارلي، خاصة بعد أن يصبح مليونيرا .
وفيما يتعلق بخلق الأجواء، والتأثير، فإن شابلن كاتبا ومخرجا يبدو متمكنا للغاية فى تقديم مشاهد وأجواء متلونة ومتغيرة، فمن الكوميديا ننتقل إلى أجواء الترقب والقلق، ومن المعاناة بسبب الجوع، نشاهد أجواء المرح فى صالة الرقص، ومن لحظات الشجن والتعاطف مع شارلى الوحيد، الذى حلم بحضور جورجيا، ولكنها لم تحضر، إلى مشاهد التشويق عندما جرفت العاصفة المنزل، وجعلته على حافة السقوط من أعلى الجبل، وكلها مشاهد وأجواء مختلفة، قُدمت ببراعة، سواء من حيث الآداء، أو تقطيع اللقطات، أو من حيث التعبير بالموسيقى عن مضمون كل مشهد.
درس آخر جديد هام للغاية، وهو أن توضع كل إمكانيات الأسلوب لخدمة الفيلم وليس العكس، وأعنى بذلك أن الفيلم يقدم للمشاهد كل ما يتوقعه من خيال شابلن الكوميدى البديع، بل إن فيه مجموعة من أشهر المشاهد الكوميدية فى تاريخ السينما، مثل مشهد تناول شابلن ورفيقه للحذاء بدلا من الطعام العادي، ومشهد تخيل زميل شابلن أنه دجاجة تحت تأثير الجوع الشديد، ومشهد شارلى وهو يتخيّل تقديم رقصة مستخدما قطع الخبز، والمشهد الأشهر للمنزل المعلق فى الهواء وسط الجليد، وتأرجح شارلى وزميله بين النجاة والسقوط.
ولكنك لو تأملت لوجدت أن كل هذا الاستعراض الكوميدي، يوظف فى خدمة فكرة عميقة للغاية، وانتقادية وساخرة تجاه الإنسان الباحث عن الثروة والقوة، بينما هو ضعيف يصارع على البقاء، ويمكن أن يتألم من الجوع فيأكل الحذاء، بالإضافة إلى فقدان زميل شارلى لذاكرته، ونسيانه لمكان الذهب.
كل هذا الضحك يخفى مأساة حقيقية، حيث تكشف المفارقة والكوميديا، وأسلوب شابلن الفذ فى تطوير المشهد لجعله أكثر إضحاكا، عن طبيعة الإنسان الحيوانية دفاعا عن بقائه، والتى تتبلور فى النهاية فى قتل الدب والتهامه، ولا نسترد الثقة فى إنسانية الإنسان إلا فى لحظات الحب التالية.
أسلوبية شارلى وظفت طوال والوقت لصالح الحبكتين، وليس بشكل مجاني، والتكنيك هنا لا يعتمد فقط على الكوميديا الحركية ( الفارص)، على عكس ما هو شائع، ولكن التكنيك يبدأ أولا من كتابة الموقف الذى يعتمد المفارقة، ثم توظيف الحركة داخل الموقف للتعبير عنه، والمثال الواضح لذلك هو مشهد البيت الأول، حيث تحاصر العاصفة منزل ثلاثة مكتشفين متناقضين، أولهما شارلى المتشرد، وثانيهما زميله الذى عثر على منجم الذهب، وثالثهما مجرم مطلوب القبض عليه، ثم يتعقد الموقف بالمعاناة بسبب الجوع، ومن خلال هذا الموقف تخرج كل مشاهد الحركة الشهيرة، وكل المطاردات بين شارلى وزميله فى مساحة محدودة هى مساحة هذا البيت الصغير للغاية.
درس إضافى يذكرنا به الفيلم وهو أن جوهر الكوميديا فى السينما هو الحركة والمونتاج والموسيقى، وليس الحوار رغم أهميته، لأننا لا نرى إلا جمل حوار محدودة مكتوبة كفواصل وعكناوين، ومع ذلك نستمتع جدا بالفيلم، ونفهمه، ونتأثر بشخصياته، وفى مشهد رقصة شارلى مع جورجيا مثلا نضحك من سقوط البنلطون، ومحاولة شارلى رفعه بعصاه، ثم ظهور كلب واستخدام شارلى لحبل الكلب لربط البنطلون، مما يؤدى إلى جر الكلب، فيرقص الحيوان المسكين رغما عنه مع شارلى وجورجيا.
هذا المشهد لو كتب بالحوار سيمتليء بالثرثرة، ولكن على فنان السينما أن يفكر أولا بالصورة والحركة والمونتاج، مما يفتح آفاقا واسعة للخيال، والمعروف أن شابلن تأخر كثيرا فى استخدام الحوار رغم ظهور السينما الناطقة، وكان ممن يفضلون طريقة السينما الصامتة، واللجوء فقط إلى العناوين والموسيقى.
"حمى البحث عن الذهب" يظل فى النهاية دليلا على أشياء كثيرة، فلا تناقض بين البساطة والعمق، ولا بين أن تضحك الناس، وأن تقول أشياء مهمة كما فعل شابلن عن الطبيعة الإنسانية، الذى يتحدث فيلمه عن الحب، وعن الضعف والشعور المزيف بالقوة، وعن ملائكية الإنسان وحيوانيته، وعن الفوارق الطبقية أيضا.
لا تناقض بين الأسلوبية (البصمة والطريقة الخاصة) وبين خدمة الموضوع والفكرة، ولا تناقض بين التسلية فى ذروتها، والتفكير والتأمل بما يلامس حد الفلسفة، انظر وتأمل مثلا رؤية شابلن لدور الصدفة، سواء فى العثور على كنز الذهب، أو فى استعادته لقلب جورجيا، أى أن الثروة والحب فيهما جزء كبير من القدرية، ولكن تأمل فى نفس الوقت أن شارلى كاد أن يفقد حياته تعبا وبحثا وصراعا سواء بحثا عن الذهب، أو دفعا وبحثا وتعلقا بجورجيا، إلى حد مواجهة ومصارعة جاك القوى والوسيم،
المعنى هنا أن الحياة مزيجٌ من الجهد والصدفة، بين المغامرة والشجاعة من ناحية، وبين الخوف والدفاع عن النفس من ناحية أخرى، وهى أيضا محصلة العقل والقلب والغريزة معا، وبالتإلى فإن شارلى الفقير جدير بالفوز بالثروة والحب ، إنها مكأفأة الصدفة لمن بذل جهدا، ولمن آمن بأن الثروة وحدها لا تكفي، لأن الحب أثمن من الذهب.
ولعلنا أولا وأخيرا أمام الدرس الدائم والمتكرر : المواهب الفنية الكبرى هى الكنوز الحقيقية، التى يجب المحافظة عليها، والاحتفاء بها، ذلك لأن الفن هو المجد الذى لا يبلى ولا يتقادم، ولأن الفن كان وسيبقى أطول من عمر مبدعه، ومن أعمارنا جميعا.