بعد رحلة طويلة في السينما، ظنّ البعض أن أميتاب باتشان سيكتفي بما قدّمه، لكن الرجل الذي صنع مجده من الصفر لا يعرف طريق الراحة. ففي عام 2000، قرر أن يدخل بيوت الجمهور من باب مختلف تمامًا باب التقديم التلفزيوني.
ظهر على الشاشة كمضيف لبرنامج المسابقات Kaun Banega Crorepati، النسخة الهندية من البرنامج الشهير "من سيربح المليون؟"، ولم يكن أحد يتخيل أن هذا البرنامج سيعيده من جديد إلى قلوب الجماهير بطريقة غير متوقعة.
بصوته الجهوري، وهيبته التي تجمع بين الأب والمعلم والصديق، استطاع باتشان أن يصنع حالة خاصة أمام الكاميرا. لم يكن مجرد مقدّم يطرح أسئلة، بل كان يرافق المتسابق في رحلته، يهدّئ توتره، ويشجعه كأن مصيره واحد مع مصير الجمهور كله.
تحوّل البرنامج إلى ظاهرة اجتماعية في الهند.
شوارع كاملة كانت تخلو وقت عرضه، والمقاهي والمنازل تلتف حول الشاشات لمشاهدة “الأسطورة” وهو يبتسم، يضحك، ويقول جملته الشهيرة التي أصبحت ماركة مسجلة باسمه: “Lock kiya jaye?” (هل نؤكد الإجابة؟)
وفي كل موسم جديد، كان نجاح البرنامج يكبر، وكان أميتاب يثبت أنه لا يزال النجم الأوحد في كل ما يقدّمه، سواء على شاشة السينما أو التلفزيون.
حتى حين أصيب بوعكة صحية عام 2006 وتوقّف الموسم، ظل الجمهور ينتظر عودته بشغف، وكأن الهند فقدت صوتها لوقتٍ مؤقت.
عاد عام 2010 ليقدّم المواسم التالية من البرنامج بروح أكثر نضجًا وهدوءًا.
كانت كلماته أكثر دفئًا، ونبرته أكثر صدقًا، وابتسامته تُشبه تلك التي يبتسمها رجلٌ تعلّم من الحياة كل دروسها. نال بعدها جائزة CNN-IBN لأفضل ترفيه تلفزيوني، وحصدت الحلقات نسب مشاهدة غير مسبوقة، ليؤكد أن أميتاب لا يتراجع أبدًا… بل يُولد من جديد في كل تجربة.
ولم يكتفِ بالبرامج، بل قرر أن يقتحم عالم الدراما لأول مرة بمسلسل Yudh عام 2014، الذي قدّم فيه شخصية مركّبة تمزج بين السلطة والهشاشة الإنسانية، في تجربة جسّدت نضجه الفني المتكامل.
أما صوته، فكان ولا يزال علامة فارقة في السينما الهندية.
ذلك الصوت العميق الدافئ من نوع “الباريتون”، الذي وصفه المخرج الأسطوري ساتياجيت راي بأنه "صوت لا يمكن تجاوزه". استعان به في رواية فيلمه Shatranj Ke Khilari عام 1977، ثم تتابعت مشاركات باتشان كمعلّق وراوٍ في أهم الأفلام، من بينها Lagaan عام 2001، وحتى النسخة الهندية من الفيلم الوثائقي مسيرة البطاريق الذي فاز بالأوسكار.
لقد كان صوته، بالنسبة لجمهوره، أكثر من مجرد أداة فنية…
كان ذاكرةً وطمأنينة، ذلك الصوت الذي يسمعه الهنود في لحظات الفرح والحزن، في الإعلانات والبرامج، وفي مشاهد السينما الخالدة التي لا تُنسى.
أميتاب باتشان لم يكن مجرد ممثل أو مقدم برامج، بل صوت أمةٍ كاملة… حين يتكلم، تصمت الهند لتستمع إليه.