في مثل هذا اليوم من عام 2013، خسر العالم العربي واحدًا من أعذب وأصدق الأصوات التي عرفتها الموسيقى الشرقية.. رحل وديع الصافي، لكن صوته بقي شاهدًا على زمن الطرب الأصيل، وعلى لبنان الذي غنّى له بكل لغات الحب والانتماء.

وُلد وديع بشارة يوسف فرنسيس في الأول من نوفمبر عام 1921 في قرية نيحا الشوف اللبنانية، وسط أسرة متواضعة تعيش بالكاد على قوت يومها. منذ طفولته، كان الغناء بالنسبة له ملاذًا من الفقر، وصوتًا يحمل شجن الجبل ودفء القرية.
في السادسة عشرة من عمره، كانت البداية الحقيقية حين شارك في مسابقة غنائية أقامتها الإذاعة اللبنانية، ففاز بالمركز الأول من بين أربعين متسابقًا، ليُعلن ميلاد صوتٍ جديد سيصبح فيما بعد “صوت لبنان الصافي”.

لم يتوقف عطاؤه منذ تلك اللحظة؛ فقد تتلمذ على أيدي كبار الموسيقيين في لبنان ، وبدأ في رسم ملامح الأغنية اللبنانية الحديثة التي كانت تبحث عن هوية خاصة. ومع مرور الوقت، صار وديع الصافي رائدًا في ترسيخ قواعد الغناء اللبناني، ومؤسسًا لما يُعرف اليوم بـ “المدرسة الصافية” في الطرب.
كانت أغنيته الشهيرة “ عاللّوما ” بمثابة جواز عبورٍ إلى قلوب الجماهير، حتى أصبحت تحية يتبادلها اللبنانيون فيما بينهم، وغنى بعدها روائع خالدة مثل: “ لبنان يا قطعة سما”، “على رمش عيونها”، و“طلّ الصباح وتكتك العصفور”

قدّم وديع الصافي آلاف الأغاني، معظمها من ألحانه، متعاونًا مع كبار الشعراء والملحنين مثل الأخوين رحباني، فيلمون وهبي، زكي ناصيف، وأسعد السبعلي. وكان محمد عبد الوهاب نفسه قد قال عنه ذات يوم: “من غير المعقول أن يملك أحد هكذا صوت.”
امتدت مسيرته الفنية لأكثر من سبعين عامًا، لم يعرف فيها سوى الفن رسالةً وحياة. ومع بداية الحرب الأهلية اللبنانية، غادر وديع بلاده إلى مصر ثم إلى باريس، لكنه لم يغنِّ إلا للبنان، ولم يحمل في قلبه سوى الحنين لترابه.
نال وديع الصافي خلال مشواره الطويل العديد من الأوسمة والتكريمات، منها خمسة أوسمة لبنانية رفيعة، ووسام الأرز برتبة فارس من الرئيس إميل لحود، ووسام التكريم من الدرجة الأولى من سلطان عُمان عام 2007، كما منحته جامعة الروح القدس دكتوراه فخرية في الموسيقى عام 1991.
وفي عام 2016، احتفى محرك البحث “جوجل” بذكراه الخامسة والتسعين، تأكيدًا لمكانته كأيقونة فنية خالدة في الذاكرة العربية.
رحل “صوت الجبل” في 11 أكتوبر 2013 إثر هبوط حاد في الدورة الدموية، عن عمر ناهز 92 عامًا، ودُفن في مسقط رأسه نيحا الشوف، وسط وداع رسمي وشعبي كبير شارك فيه الفنانون والسياسيون من لبنان والعالم العربي.
رحل الجسد، لكن بقي الصوت ... صوتٌ يشبه لبنان حين كان يغني للحياة، ويصلي بالأغنية من أجل الوطن.