«فيها إيه يعني؟».. سينما المشاعر الجميلة

«فيها إيه يعني؟».. سينما المشاعر الجميلةمحمود عبد الشكور

الرأى12-10-2025 | 17:56

يمكننى أن أصف فيلم «فيها إيه يعني؟» بأنه فيلم المفاجآت السارة والمشاعر الجميلة.

ليس فى الفيلم هذا الاستعراض الضخم للإمكانيات، وللمعارك، وللمجاميع، ولكن سحره الكبير فى هذه البساطة، وذلك العمق الذى يقدم بهما علاقات شخصياته القليلة، والشاعرية التى يتم من خلالها نسج حكاياته الإنسانية البسيطة، عبر مزيج إجتماعى رومانسى وكوميدى أيضا، وبأداء ممتاز من ممثليه، وخصوصا ماجد الكدواني ، الذى يقدم هنا أفضل أدواره السينمائية، والأجمل أن هذا الفيلم هو العمل الروائى الطويل ألأول للمخرج عمر رشدى حامد، ومن تأليف كتّاب من جيل مختلف هم : مصطفى عباس ومحمد أشرف ووليد المغازي، واشتركت فى كتابة الحوار دنيا ماهر.

يمكننا، من ناحية أخرى، أن نعتبر الفيلم دعما إضافيا وقويا لاستعادة السينما الرومانسية، والتى قدمت منها تجارب ناجحة مثل فيلمى «الهوى سلطان»، ثم «6 أيام»، ولكن فيلم «فيها إيه يعنى؟» يبدو أكثر مغامرة منهما، لأنه يستعيد حكاية حب قديمة بين رجل وامرأة تجاوزا سن الشباب، بل إنه فيلم عن الطريقة التى نحب بها عموما، والتى قد تأخذ اتجاها خاطئا، وتؤثر عن حياتنا كلها، كما أنه فيلم عن الخوف الذى يمكن أن يدمر علاقتنا مع الآخرين، وخصوصا علاقتنا مع من نحب.

العلاقات فى حكايتنا ليست فقط فى اتجاه هذا الحب القديم، ولكن فى اتجاه علاقة حب الابنة لأبيها، أى أننا أمام دائرة أوسع وأعمق من العلاقات الإجتماعية والإنسانية المنسوجة بمهارة، ومن خلال حبكتين متداخلتين، ولا شك أن ذلك يجعلنا أمام فكرة ذهبية طموحة وصعبة، ولكنها قدمت بشكل جيد ومؤثر على وجه العموم.

يبدأ الفيلم برسم معالم حياة الطرف الأول من الحكاية وهو المهندس صلاح (ماجد الكدوانى)، الذى يعيش مع ابنته ندى (أسماء جلال)، وزوجها علاء (مصطفى غريب)، وابنتهما الصغيرة أمينة (ريتال عبد العزيز)، ونرى مدى سيطرة ندى على حياة الجميع بدافع الحب والحماية الزائدة، وخصوصا والدها الذى تولى تربيتها بعد وفاة أمها، وتصل السيطرة والحماية إلى فرض نوعية من الطعام الصحى عديم المذاق.

مع انتقال صلاح إلى شقته القديمة فى مصر الجديدة، لإصلاح سيارته المتهالكة، تتغير حياته باكتشاف عودة جارته وحب عمره ليلى (غادة عادل)، وأمها (ميمى جمال) للعيش فى الشقة المجاورة.

يتذكر صلاح قصة الأمس، وسفره فى الماضى إلى الخارج وراء فرصة عمل، وتركه للفتاة التى أحبها، ويحاول أن يستعيد هذه العلاقة، بينما تبدو ليلى حزينة وغير قادرة على نسيان ما فعله، ولكن تدريجيا يذوب الجليد، عبر لعبة مدهشة، إذ يقرر الطرفان تحقيق أمنيات كتباها قديما على أوراق صغيرة، وقررا تنفيذها إذا تقدما فى السن، عندما يقرر صلاح الزواج من ليلى، تنشأ مشكلة صعبة بإصرار ندى أن يسافر معها والدها فى عملها الجديد بالمكسيك، ويصبح صلاح أمام اختبار جديد: هل يسافر ويترك حبيبة الأمس ويغضبها من جديد؟ أم هل يبقى ويترك ابنته التى تتعلق به وتحبه بطريقة مسيطرة ومكتسحة وتخاف عليه خوفا مبالغا فيه؟

عبر تفصيلت كثيرة، تتداخل علاقة ليلى الحبيبة وصلاح، مع علاقة ندى الابنة وصلاح، وصولا إلى حل ينتصر للحب الصحيح المتحرر من الخوف، والذى يعتمد على الفعل ولا الكلمات، وينجح الفيلم إلى حد كبير فى التعبير عن مشاعر كل طرف ومنطقه، وينجح أيضا فى تقديم مواقف إنسانية مؤثرة، ومن خلال عائلتين، وعدد قليل من الشخصيات، ومكانين فقط بشكل رئيسى هما فيلا الشيخ زايد، حيث كان يعيش صلاح مع ابنته وزوجها وحفيدته، وشقة مصر الجديدة حيث ستنتقل ندى وزوجها والحفيدة لمراقبته، ولمعرفة حكاية حبه لجارته ليلى فى الشقة المقابلة.

يبدو المكان محوريا فى هذه الحكاية، فالهروب الى الماضى يتم بالخروج من العالم المعقم المعزول، والعودة الى الحى والشوارع القديمة ومواطن الذكريات، بل وحتى عبر بعث السيارة القديمة وتجديدها، فى إشارة إلى استعادة الماضى ولكن بوعى ومشاعر اليوم.

يظهر الأصدقاء، وكشك الحلويات القديم، والأصدقاء من زمن الذكريات، ويعاد تأمل كل شيء بما فى ذلك خطأ صلاح فى السفر، وتتسع آفاق الحكاية متجاوزة حتى مشاعر الحب، إلى معنى تصحيح الخطأ، واستغلال الفرصة الجديدة، وأهمية أن تعتذر بشجاعة، سواء فى علاقة صلاح مع ليلى، أو علاقة ندى مع صلاح.

تكتشف الشخصيات أيضا أن الإنسان يندم على ما لم يفعل، وليس على فعل، وأن الحب لا يجتمع مع خوف بجب التحرر منه، ويتم إصلاح علاقات خاطئة ارتبطت بالحب وبالعلاقة مع الآخر، ويتم كل ذلك عبر عدة أجيال، من جيل ليلى وصلاح، إلى جيل ندى وعلاء، وصولا إلى جيل «زد» الذى تمثله أمينة الصغيرة، والتى تلعب دورا هاما فى استعادة جدها لعلاقته مع حبيبة الأمس.

ربما كان الفيلم فى حاجة إلى تكثيف أكثر فى سرد خطوطه، وإلى حل ورطة صلاح الحائر بين حب جارته، وحب ابنته، بصورة أكثر إحكاما، ومنح أدوار أكثر فعالية لصديقيّ صلاح، أو لعلاء زوج ندى، الذى لم يواجهها إلا فى النهاية، وبينما كانت أغنية حميد الشاعرى، بل وظهوره شخصيا، عنوانًا على استعادة زمن قديم يخص صلاح وليلي، فإن أغنية أحمد سعد بدت مضافة وغريبة عن هذه الأجواء الرقيقة.

ولكن الفيلم عموما يأسر مشاهده بمواقف آسرة، ويعرف إلى حد كبير كيف ينتقل من الجدية الى المرح، ومن الشجن إلى الحب، كما أنه يختار علاقات غير تقليدية وصعبة، وينجح أبطاله فى تقديم شخصياتهم المميزة: ماجد الكدوانى الذى ينتقل بسلاسة بين لحظات العشق، ومشاعر الأبوة واستعادة خفة المراهقة، وغادة عادل بتعبيرها القوى عن الخوف من تكرار الخذلان والفشل، وأسماء جلال فى شخصية غريبة تبدو قوية ومسيطرة، مع أنها هشة وخائفة وتحتاج للمساندة النفسية، ومصطفى غريب الذى لا يضحكنا فقط، ولكنه يقدم أيضا بسلاسة شخصية محبة ومتعاطفة تريد أن تتفادى الصدام، هذا الممثل الموهوب باذخ الحضور قادر بالتأكيد على تقديم أدوار ومواقف جادة، وشخصية علاء كانت تحتمل تطويرا أكثر إيجابية، ودورا أهم فى حل العقدة.

سنجد حضورا لطيفا من الصبية الموهوبة ريتال عبد العزيز فى دور أمينة، وهى شخصية مهمة ومؤثرة تعبر عن جيل «زد» المختلف والجسور، وسنرى ميمى جمال فى دور الأم التى تخاف على ابنتها من خذلان جديد وبأداء جيد، وقد بدت الشخصية من الداخل مثل طفلة كبيرة، ولا أنسى لمسة صناع الفيلم بإهدائه الى روح الراحل سليمان عيد، الذى ظهر فى مشاهد قليلة مبهجة كعادته، صديقا نبيلا ومشاكسا لصديقه القديم صلاح.

مع فريق تقنى ممتاز، وعناصر لامعة مثل مونتاج باهر رشيد، وموسيقى خالد حماد المحورية فى التعبير عن هذه العواطف المتقلبة، وتصوير أحمد جبر الذى أعاد مصر الجديدة إلى ذاكرة السينما حية ومتألقة، يمكن القول إن المخرج عمر رشدى حامد قد نجح فى تحويل الحكاية إلى عالم حى مليء بالمواقف والعواطف، وهو أمر صعب، يحتاج إلى حساسية وبساطة ممتنعة، أعتقد أنه سيكون مخرجا مختلفا، ومع الوقت والخبرة سيمتلك جرأة أكبر فى الحذف، الذى لا يقل أهمية عن أدوات الإخراج وعناصره.

يعبر عنوان الفيلم عن أنه لا توجد مشكلة فى تحقيق الحلم بصرف النظر عن العمر، المشكلة الحقيقية ألا نسترد ما يحقق سعادتنا، وأن نعيش فى دوائر خوف وهمية، وألا نراجع أنفسنا وعلاقتنا.

لم يفت الوقت، لأن الحياة تستحق المغامرة، وبعض الجنون أيضا، المهم ألا تضيع الفرصة الجديدة، وألا نخجل من الاعتذار، وأن نفعل ما يجعلنا سعداء الآن وليس غدًا.

ولا شيء يستحق بذل الجهد أبدا مثل الحب، ومثل من أحببنا.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان