لم تعد ظاهرة التنمر المدرسي مجرد سلوك عابر بين التلاميذ، بل أصبحت جرس إنذار يهدد بيئة التعليم والقيم التربوية في المجتمع. من هنا جاء اهتمام المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية برصد هذه الظاهرة وتحليل أسبابها وتداعياتها، وصولاً إلى اقتراح حلول واقعية تضع حدًا لتفاقمها داخل المدارس المصرية.
أصدر المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية دراسة ميدانية حديثة بعنوان « التنمر المدرسي بين الرصد وسبل المواجهة»، أعدها قسم التعليم والقوى العاملة بالمركز، وجاءت بإشراف الدكتورة ريهام محيي الدين، وبمشاركة فريق بحثي ضم الدكتورة هند نبيل كباحثة رئيسية، وعضوية كل من الأستاذة منال عبدالنعيم، والدكتور وليد رشاد، والدكتورة هند نجيب، والأستاذ أحمد جمال سكرتيرًا فنيًا، والأستاذة عهود عبدالوهاب محللة إحصائية.
تأتي هذه الدراسة انطلاقًا من حرص المركز على متابعة التحولات السلوكية والقيمية في المجتمع المصري، وسعيه إلى فهم الدوافع والآثار المرتبطة بالسلوكيات السلبية، وعلى رأسها ظاهرة التنمر التي تخترق المجال التعليمي، أحد أهم ركائز بناء المستقبل.
اعتمدت الدراسة على عينة واسعة بلغت 2009 تلميذًا و580 من العاملين بالمدارس، بالإضافة إلى 20 ولي أمر من مختلف المحافظات والأنماط التعليمية، مع عينة استطلاعية ضمت 250 مفردة من 8 مدارس في محافظة القاهرة.
وأكدت النتائج أن التنمر المدرسي ظاهرة متعددة الأوجه، تتراوح بين الجسدي واللفظي والنفسي والاجتماعي والإلكتروني، ولها آثار مدمرة لا تقتصر على الضحايا، بل تمتد إلى المتنمرين والمحيطين بهم وحتى المناخ المدرسي والمجتمع بأكمله.
وشددت الدراسة على أن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تكون رد فعل مؤقتًا أو إجراءً جزئيًا، بل ينبغي أن تتحول إلى استراتيجية شاملة تتعامل مع جميع أبعاد المشكلة، من خلال تضافر الجهود بين المدرسة والأسرة والمؤسسات التعليمية.
وخلال مناقشة نتائج الدراسة، شاركت ممثلة عن وزارة التربية والتعليم التي أكدت استعداد الوزارة لتبني التوصيات المطروحة. ومن أبرزها:
تطبيق برنامج وطني واضح لمواجهة التنمر داخل المدارس بإشراف الوزارة.
إدراج دليل للأخصائي النفسي يتضمن برامج توعوية وتأهيلية ووقائية للطلاب.
تفعيل لائحة الانضباط المدرسي لتشمل عقوبات رادعة وتدابير إصلاحية لمن يصر على السلوك العدواني.
واختتمت الدكتورة ريهام محيي الدين وفريقها البحثي بالتأكيد على أن التنمر ليس ظاهرة بلا حل، بل مشكلة قابلة للعلاج متى توفرت الإرادة الجماعية والرؤية العلمية والمنهجية التربوية السليمة، داعين إلى أن تكون المدرسة حقًا بيئة آمنة تُنمي العلم والقيم معًا.