في عمرٍ لا يتجاوز الثلاث سنوات، بدأ العالم يتغيّر بالنسبة لـ باسنت مدحت.
ارتفاع شديد في الحرارة أدى إلى ضعف سمع دائم، ومعه بدأت رحلة طويلة مع التخاطب، ومواجهة نظرات المجتمع، والتعلّم من جديد كيف تخرج الكلمات من بين الصعاب.
ورغم كل ما مرّت به، اختارت باسنت أن تجعل من تجربتها بداية لحكاية إلهام، فصارت روائية وصانعة محتوى، وأماً تستطيع أن تحكي بصوتها الذي لم يخفت يومًا… حتى لو لم يسمعه الجميع بوضوح.
باسنت مدحت سعد، شابة من محافظة الشرقية وخريجة تجارة إنجلش، بدأت رحلتها مع ضعف السمع وهي لم تتجاوز الثالثة من عمرها، بعد ارتفاع كبير في الحرارة أثّر على قدرتها السمعية وعلى طريقة نطقها. ومنذ ذلك الوقت استخدمت سماعة طبية، وكانت والدتها هي الدرع الأول في مواجهة كل ما هو قاسٍ وصعب.
تروي باسنت أن والدتها كانت تحذرها دائمًا من الاعتماد على لغة الإشارة، وتصرّ على أن تتعلّم التخاطب. لذلك كانت الأسرة تسافر أسبوعيًا من الشرقية لزيارة طبيب التخاطب، بينما كانت هي طفلة تتمنى اللعب بدلاً من الجلسات الشاقة، لكن إصرار الأم غيّر مستقبلها.
وعندما حان وقت دخول المدرسة، ساد القلق خوفًا من رفضها، لكن القبول جاء لتبدأ المرحلة الأصعب. فقد لاحظ الجميع اختلاف نطقها، كما أثارت السماعة انتباههم. ومع ذلك، بمرور الوقت تأقلمت، وكونت صداقات ما زالت مستمرة حتى الآن.
ولم تتوقف رحلتها مع التخاطب عند الطفولة؛ بل استمرت معه حتى سنوات الجامعة، وهو الأمر الذي كان مرهقًا لها نفسيًا. وعندما خُطبت، كانت تشعر بحرج شديد، لكنها تعترف اليوم أنها ممتنة لكل تلك السنوات التي جعلتها قادرة على الكلام والتواصل.
اليوم أصبحت باسنت أمًا لطفل يبلغ من العمر سبع سنوات، وتروي أن موهبتها في الكتابة بدأت في المرحلة الثانوية عندما كانت تكتب أشعارًا بسيطة للمعلمين. ثم شجعتها والدتها مجددًا في الجامعة لتطوّر موهبتها، فبدأت كتابة المقالات ونشرها في مجلة "كلمتنا" ومواقع إلكترونية أخرى.
لاحقًا، أصدرت كتاب همهمة الحروف، ثم مجموعة قصصية بعنوان لا صلاة في الحب، وصولًا إلى روايتها الأخيرة حكاية ترويها حليمة، ولها مشاركة منتظرة في معرض الكتاب 2026. كما قدّمت حفلتين ضمن مهرجان الصورة المصرية لعامين متتاليين، إلى جانب فيديوهات قصيرة تنشرها عبر صفحتها عن التفاؤل وصمود الحياة.
وتختتم باسنت حديثها بطلب واضح: توفير مترجمي لغة الإشارة ونصوص مكتوبة "كابشن" لبرنامج دولة التلاوة ولكل البرامج والأفلام والمسلسلات. فالأمر ليس رفاهية، بل ضرورة تمس حياة الملايين. وتؤكد أن معظم أصحاب ضعف السمع يفتقدون الكثير من تفاصيل الحياة بسبب عدم القدرة على متابعة ما يُقال على التلفزيون، وهو ما يقلل من خبرتهم وقدرتهم على الاندماج.
هذه هي حكاية باسنت… صوتٌ خافت في البداية، لكنه لم ينطفئ أبدًا.