يحكى الفنان عمر الشريف فى حواره مع الأستاذة منى رجب عن الأحداث فى مصر ، بداية من نكسة 1967 ثم حرب أكتوبر ثم السلام ، وتأثيرها عليه كمواطن مصرى يعيش فى الغربة .
وقد استقر عمر الشريف فى مصر نهائيا فى أوائل الثمانينات وقدم أعمالا مهمة فى السينما المصرية ، منها « الأراجوز » و« المواطن مصري ».. وتوفى فى عام 2015.
فى عام 1964 سافر عمر الشريف إلى أمريكا ليقتحم آفاقا جديدة اعتمادًا على موهبة فذة طموح بلغ ذروته، ولكن رغم النجاح والشهرة العالمية والمال عاد بعد 15 عامًا يبحث عن السعادة فى مصر.

رحلة طويلة شاقة قطعها عمر الشريف بعيدًا عن أرض وطنه، بذل فيها من الجهد قدر ما لقى من نجاح.. ورغم الشعيرات البيضاء التى كست رأسه فما يزال يحتفظ بروحه المرحة ورشاقته المعهودة ويحرص على رد التحية للجميع وبحرارة أهل مصر، ومع إشراقة شمس ديسمبر قال «ليس فى الدنيا أجمل ولا أنقى من هذا الجو».
فى البداية وعن سر ظهوره فى إعلانات نوع من السجائر وهو الذى صرح يومًا بأنه لن يظهر فى أية إعلانات إلا بعد أن يفلس تمامًا قال ضاحكا: لقد أفلست تمامًا بالفعل منذ ثلاث سنوات ولم أكن أمتلك مليمًا واحدًا فلست ممن يدخرون نقودهم، لهذا وافقت على توقيع عقد مغر والغريب فى الأمر أنه بعد ظهورى فى هذا الإعلان تهافت علىَّ المخرجون وانهالت على الأدوار.

وعن انعكاسات الأحداث فى مصر منذ 67 وحتى مبادرة السلام وتأثيرها عليه فى الخارج قال: أتيت إلى مصر لأول مرة منذ عامين بعد أن التقيت بالرئيس السادات فى واشنطن وكنت معجبا بشخصيته وأفكاره، ولما دعانى للحضور إلى مصر أتيت وكان ذلك قبل تحقيق السلام.. ثم توقف قليلاً واستطرد قائلاً: لقد عانيت كثيرًا عام 1967 كمصرى يعمل فى وسط يهود، وقد كنت أعيش وقتذاك فى أمريكا، وعندما وصلتنى أنباء الهزيمة روعت بالنبأ وتألمت للآلاف من شبابنا الذى استشهد أثناء المعارك بلا جدوى، كما تطاول على مصر الكثيرون ووجهوا لها الإهانات من كل جانب، ولم أستطع مواجهة الناس أثناء المعركة فاعتكفت فى المنزل بعض الوقت واضطررت إلى أن أوضح فى كل مناسبة أننى لست مهتما بالسياسة ولا شأن لى بها، مع أن المصرى بطبيعته فى الخارج ينفعل بأحداث بلده ويدافع عن سياسة وطنه خارجه، ولكننى كرافض للسياسة المتبعة وقتذاك وخاصة بالنسبة للروس وكممثل حصرت اهتمامى فى عملى وقد كان وضعى شائكا لأن اليهود يسيطرون على دور العرض والصحافة والسينما والتليفزيون وكان من الممكن أن يقضوا نهائيًا على مستقبلى، ولكننى كنت مُصرًا على النجاح والاستمرار رغم قسوة الظروف فبقيت فى الخارج.. ومن بين صور المعاناة التى مررت بها إصرار المنتجين على أن يتضمن أى عقد لى شرطا بتعيين خبير فى العلاقات العامة يتحتم أن أستشيره عند الإجابة على أى سؤال من الصحافة أو التليفزيون ليضمنوا ترويج الفيلم ونجاحه ومراعاة لرد فعل الجمهور الغربى المتعاطف كلية مع اليهود .

ثم جاءت حرب أكتوبر ورفعت رأسى مرة ثانية ليس لأننا انتصرنا ولكن لأننا استرددنا كرامتنا وكنت شخصيا أحلم دائمًا بتحقيق السلام ليعيش الشعب المصرى كبقية الشعوب المتقدمة، فالمواطن المصرى يعانى من انخفاض مستوى معيشته وعلى الدولة أن توفر له الغذاء والكساء والآن على الدولة أن تركز جهودها فى الداخل وأن تتبع سياسة أكثر فاعلية فى مجال تحديد النسل حتى لا تبتلع الزيادة كل تقدم وحتى يرتفع مستوى معيشة المواطن المصرى.
ثم أضاف بحماسة بالغة.. لقد أتيت إلى مصر بعد أن أحسست أننى بلا هوية طوال 15 عامًا يومًا فى باريس ويومًا فى إيطاليا ويومًا فى أمريكا بلا أخوة وأصدقاء، هذا ما كان ينقصنى طوال هذه الأعوام.
ثم أضاف قائلاً: لم يكن لى صديق حقيقى طوال هذه الأعوام، فالأجنبى بارد بطبيعته، بينما نتمتع نحن بدفء العاطفة وحرارتها وكل علاقاتى كانت عابرة، أما الصداقة الحقيقية فهى هنا فى مصر وعندما عدت بعد غياب 15 عاما أحسست أننى لم أغب عنهم وأننى رأيتهم بالأمس فقط.
وعن أعلى أجر تقاضاه قال عمر الشريف : لقد تقاضيت سنة 1969 أعلى أجر لممثل أجنبى فى العالم وهو 750 ألف دولار عن دوري فى فيلم د. زيفاجو ، ولم يتعد هذا المبلغ وقتذاك سوى إليزابيث تايلور التى تقاضت مليون دولار فى فيلم كليوباترا ، ولم يهبط مستواى ولم يقل الطلب علىَّ ولكن نوعية الأفلام تغيرت، فالسينما الأمريكية تبحث الآن عن أفلام تعرض مشاكلها المحلية وتستعين بنجوم أمريكيين مثل الأفلام التى أنتجتها عن حرب فيتنام أو مشاكل المواطن الأمريكى ذاته وهذا يتطلب وجوهًا أمريكية وكذلك الأفلام الإيطالية أصبحت تجنح إلى المحلية.
وإجابة عن سؤالى ما الذى يعوق الفيلم المصرى للوصول للعالمية قال: حتى نصل إلى العالمية لابد من توافر عاملين : المؤلف الجيد والممثل الموهوب ، ولابد من أن تكون القصة محلية وفى نفس الوقت تلمس مشاعر المشاهد العالمي بحيث يتفاعل معها ويحس أنه يرى نفسه فيها وهذا لا يأتي إلا بالاحتكاك المستمر بالخارج ومعايشة أهم التطورات الفنية عن قرب وإرسال البعثات إلى الخارج.. لا يهم الإنتاج الضخم فمن الممكن لقصة غاية فى البساطة لرجل وامرأة يتكلمان ببساطة عن مشاكلهما اليومية أن تتحول إلى فيلم عالمى، لكن عيب الوسط الفني المصري أنه منغلق على نفسه، لا يرقب سوى مشاكله ولا تتعدى نظرته حدود عالمه الخاص.. عندما كنت فى مصر كان جميع أهل الفن يلتقون كل ليلة في قهوة «الجمال» ليتبادلوا نفس الأحاديث عن نفس المشاكل.. فلابد بالانفتاح على العالم.
وعن عمر الشريف الإنسان ومحصلة كفاحه وفيم تنحصر آماله قال: لقد تعبت كثيرًا لأبلغ المستوى العالمي وقدمت مجهودًا يفوق طاقتى وضحيت براحتي وبكل شىء فى سبيل نجاحى، وكنت أسافر إلى أى بقعة في العالم وتحملت المشاق من أجل الإجادة والبقاء، لكنني لم أؤد دورًا أندم عليه فهناك دائمًا ظروف دفعتني لتوقيع أي عقد ولكن مفهومي للحياة الآن يختلف عن ذي قبل ، فسوف أغير نمط حياتي ولن أمثل إلا الدور الذي يروقني فقط، مع فترات راحة طويلة، فكفاني تعبا وتنحصر آمالي في إبني طارق فقد ربيته على مبادئ أصيلة وهو يستشيرني في كل أموره.
أما إذا فكرت في الزواج فلن أتزوج سوى مصرية – فأنا رجل شرقى متزمت – وأفُضِّل المرأة العصرية العاملة المتفتحة، ولكنني أبحث عن القيم الأخلاقية وصدق العاطفة وعمق نظرة عينيها وهو مالم أجده فى الخارج.
وفى نهاية اللقاء أجاب عن السؤال.. هل أنت سعيد؟ فقال: إن الحياة لإنسان شديد الطموح مثلي هي معادلة صعبة بين النجاح فى العمل وتحقيق السعادة في الحياة.. حققت أقصى درجات النجاح ولم أحقق السعادة.
نشر بمجلة أكتوبر في ديسمبر 1979م – 1399هـ