مثل الأفلام العظيمة متعددة الطبقات والمستويات، يجمع هذا الفيلم النرويجى البديع بين البساطة والتعقيد، ينطلق من موقف يبدو عاديا، ليقدم شخصياته وعلاقاتهم المتشابكة، يرسم ملامحهم من الداخل، ويمنحهم فرصة للخلاص والتصالح، ويصنع نماذج إنسانية استثنائية تذكرنا بشخصيات المسرحيات والروايات الكبرى.
الفيلم بعنوان " قيمة عاطفية "، أخرجه واشترك فى كتابته خواكيم تريير، وقد حصل الفيلم على الجائزة الكبرى فى مهرجان كان 2025، لتكامل عناصره الفنية، ولبراعة معالجته التى يمكن قراءتها من زوايا مختلفة .
هو بالتأكيد فيلم عن الذاكرة التى تؤرقنا وتطاردنا فى الحاضر، وهو أيضا حكاية عن العائلة و البيت وأهميتهما الجوهرية فى تحقيق التوازن للتعامل مع الحياة، ولكن المستوى الأعمق فى الحكاية عن مصالحة الإنسان مع الفنان، فداخل كل فنان إنسان يحاول أن يتحرر من أزمته، وأن يتصالح مع إبداعه، وهذا الإنسان مفرط فى الحساسية والعاطفة، والفيلم ينتصر لهذه "القيمة العاطفية"، ويرفض تجاهلها، بل ويراها عنصرا جوهريا فى الإبداع، ويمكن ترويضها واستخدامها، ولذلك ينتهى الفيلم بتصالح الذات المنقسمة، وبتحويل البيت إلى استديو تصوير، وبشفاء الأب المخرج السينمائي، وابنته الممثلة التليفزيونية والمسرحية، واشتراكهما أخيرا فى عمل فنى واحد، بعد سنوات طويلة من عدم التواصل.
هنا فكرة مدهشة وعميقة تجعل فيلم "قيمة عاطفية" فى رأيى من أفضل الأفلام التى تحدثت عن تلك الكائنات مرهفة الحس والعاطفة وهم الفنانون، وتحديدا من يمتهنون الإخراج والتمثيل.
الخطوط العامة للقصة لا تزيد عن مخرج سينمائى مخضرم هو جوستاف بورج ، تقدّم فى العمر، وابتِعد عن الإخراج منذ 15 عاما، ولكنه يريد العودة بكتابة وإخراج فيلم جديد يقول إنه كتبه عن ابنه الممثلة المسرحية والتليفزيونية الناجحة نورا، ولكنها ترفض العمل مع والدها، الذى تركها، هى وأختها آنييس، من اجل مجده الشخصي، وانفصل عن أمهما، ولذلك يلجأ بورج الى ممثلة أمريكية شهيرة هى ريتشيل كيمب، لكى تلعب دور البطولة فى الفيلم، ولكن الممثلة تكتشف أثناء البروفات أن الدور ليس لها، فى نفس الوقت الذى تلعب آينيس دورا فى إقناع شقيقتها نورا بقراءة السيناريو، لتجد نورا نفسها فى الحكاية، وتوافق أخيرا على بطولة الفيلم، الذى يصوره بورج فى بيت الأسرة.
حكاية قد تبدو عادية وبسيطة، ولكن السيناريو الفذ، وطريقة رسم الشخصيات، والاكتشافات المتتالية، وتعقد العلاقات تدريجيا، والجوانب العاطفية العميقة التى يحللها الفيلم، كل ذلك جعلنا أمام عمل استثنائي.
نتوقع مثلا أن يبدأ السرد من لقاء بورج مع نورا فى المقهى، وعرضه أن تقوم ببطولة فيلمه الجديد فترفض العرض، ولكن الفيلم يبدأ بأغنية على لقطات لبيت العائلة، وصوت نورا وهى تتحدث عن منزل عتيق عمره أكثر من مائة عام، وتتحدث عن موضوع كتبته فى طفولتها تخيلت فيه البيت كائنا حيا يراها هى وأختها، وبثّت الحياة فى الأسقف والجدران، كما تتحدث عن تلك العيوب والشقوق التى نراها فى الجدران، وكأن المنزل قابل للسقوط فى أية لحظة، وسنعرف أيضا أن الطفلة نورا كانت تستمع عبر فجوة المدفأة لمشاجرات أمها وأبيها.
منذ البداية لا يصبح البيت مجرد مكان، بل هو معادل الذاكرة القديمة الضاربة فى التاريخ وصولا إلى الأجداد، ويصبح البيت هو "القيمة العاطفية الباقية" بعد وفاة الأم، ولأن الأب يمتلك المكان، فمن المحتمل أن يبيعه، ولكنه لن يفعل لتصوير السيناريو الذى وضع عليه آماله للعودة للأضواء بعد طول غياب.
كان يمكن حقا أن يحمل الفيلم اسم "البيت"، لأنه صار مجازا لكل شيء: الماضى المعقد، والحاضر المأزوم، والمستقبل الذى يمثله فيلم الخلاص للمخرج وابنته، وتصبح شروخ البيت أيضا مجازا لتلك الشروخ بين الأب وابنتيه، وخصوصا نورا المأزومة رغم نجاحها، والتي لا تنسى أبدا ابتعاد الأب عن أسرته من أجل عمله، ولا تنسى أنه لا يوجد تواصل بينها وبين والدها.
وعندما توافق نورا أخيرا على بطولة الفيلم، ونشاهدها وهى تمثل من إخراج والدها، نتذكر أنه أعيد طلاء البيت، وإعداد المكان للتصوير، وبالتالى نفهم أنه تمت معالجة الشروخ على مستوى البيت القديم، وعلى مستوى علاقة الأب مع بنتيه، وأن هذا العلاج قد تم إنسانيا أولا، ثم فنيا بموافقة نورا على المشاركة فى الفيلم، ومشاركة آينيس على الموافقة على مشاركة ابنها الصغير فى نفس الفيلم، وكانت الاثنتان ضد التعاون فنيا مع الأب.
هكذا يأتلف المجازى مع الواقعي، وهكذا يتصالح الإنسان مع الفنان، وهكذا تشيد العلاقة عاطفيا وعقليا معا، وهكذا أيضا يصبح المنزل بطلا حقيقيا للفيلم، ويصبح مشهد نورا وهى تحمل فازة قديمة وتجرى هاربة فى بداية الفيلم تمثيلا مجازيا لتعاملها مع الذاكرة، فهناك تكمن الأزمة، ولذلك لابد من مواجهتها وحلها، وليس بالهروب بها.
لكن الوصول الى هذه النقطة الأخيرة من التصالح لم يكن ممكنا لولا رسم الشخصيات بكل تفاصيلها، وتقديم المعلومات حولها بالتدريج، بحيث يعمل السيناريو فى اتجاهين : تحليل بالعمق، وعناصر تدفع الحبكة إلى الأمام، وتوصل الشخصيات إلى لحظة التنوير، مع المزج بين الفنى والإنسانى طوال الوقت.
لدينا شخصيات ارتبطت بالفن بشكل أو بآخر، وهم جميعا يمتلكون حساسية وطاقة عاطفية عالية ربما تكون سبب أزمتهم.
فالمخرج بورج مغترب عن الوسط السينمائى الذى تغير، ومغترب عن بنتيه بعد أن ابتعد عنهما، وعليه الآن أن يتعامل مع نتفليكس لتمويل فيلمه الذى يراهن عليه، وأن يتعاقد مع ممثلة أمركية شهيرة أحبت أحد أفلامه، والرجل أدمن الكحول بسبب هذه الظروف، ورفض ابنته لدور كتبه عنها يضيف إليه مزيدا من الإحباط، وخصوصا أنه لا ينسى مأساة أمه التى انتحرت قديما، وكانت قد تعرضت للاعتقال والتعذيب فى الحقبة النازية.
نورا حققت نجاحا فى مسلسل حديث، ولكننا نراها تعانى من الرهاب قبل ظهورها على المسرح، ولها علاقة عاطفية غير مكتملة مع زميلها المتزوج، ونعرف فيما بعد أنها حاولت الإنتحار، وتعانى من الإحساس بالفشل، وتهرب بالتمثيل من نفسها إلى شخصيات أخرى، أمها كانت معالجة نفسية، ولكنها صارت معقّدة، ولا يوجد جانب واحد نجحت فيه سوى أن تكون أما لشقيقتها آينيس، ولابن آينيس الصغير أيضا.
أما آينيس فهى الأكثر توازنا، ورغم أنها مثلت دور طفلة فى فيلم أخرجه والدها، إلا أنها رفضت أن تكمل العمل فى مجال الفن، واختارت دراسة التاريخ، وهى التى ستكشف لنا ماضى جدتها، وتعذيب النازى لها، ثم انتحار الجدة بعد ذلك بسنوات. وآينيس ايضا مرهفة العاطفة، فرغم رفضها لظهور ابنها فى فيلم والدها الجديد، إلا أنها تبكى عندما تقرأ السيناريو، وتقنع نورا ببطولة الفيلم الذى رفضته، لأن الشخصية تستلهم حقا شخصية نورا، وآينيس ستعيد الى نورا الثقة بنفسها، وستذكرها بأنه لولا وجودها كأخت كبرى، لما كانت آينيس شخصية طبيعية.
الشخصية الرابعة العاطفية هى الممثلة الأمريكية ريتشيل كيمب، التى تتأثر أولا بفيلم شاهدته من إخراج بورج، ثم تتعاون معه فى فيلمه الجديد، ونشاهد مدى براعتها وحرصها فى البروفات لكى تقترب من الشخصية النرويجية التى تلعبها، ثم نراها وهى تحاول ألا تخذل بورج بالاعتذار عن الدور، ولكنه يساعدها على ذلك.
إنهما فنانان حتى النخاع، وهذه مرة أخرى العاطفة وهى تعبّر عن الشخصيات فى محيط فنى وسينمائي، فتلك الكائنات المرهفة لن تعمل إلا إذا استراحت انسانيا ونفسيا، ولذلك ستعتذر ريتشيل عن الدور، فيذهب إلى صاحبته الأصلية نورا.
تغذى هذه العلاقة الرباعية عناصر تدفع الأحداث المشوقة للأمام، أبرزها حكاية والدة بورج، وجدة نورا وآينيس، وقصة تعذيبها وانتحارها، وقد استخدمت هذه الحبكة الجانبية كتنويعة مهمة على الذاكرة القديمة، وعلى تلك العاطفة المضطربة والغامضة والمعقدة والممتدة من الماضى إلى الحاضر، كما استخدمت لمد الخط من الجدة المنتحرة، إلى نورا المكتئبة التى حاولت الإنتحار، والتى تمثل مشهدا أخير يستعيد حكاية الجدة والحفيدة معا.
الفن الذى ترك بورج أسرته من أجله قديما، يعود لكى يصالح نورا وآينيس على والدهما، والفيلم الجديد يحرر الجميع فنيا وإنسانيا، ويحرر البيت أيضا من البيع والشروخ، والمعاناة العاطفية الواقعية تتحول الى فن وفيلم سينمائي، وتصبح نورا نفسها حكاية سينمائية تحرر نورا الإنسانة، وتصبح العاطفة قيمة البشر الأساسية، وقيمة الفنان ومادة الفن فى نفس الوقت.
فإذا أضفت إلى ذلك عظمة أداء ستيلان سكاريسجاررد فى دور بورج، وريناتى رينسف فى دور نورا، وإنجا إيبسدوتر فى دور أينيس، و إيل فانينيج فى دور ريتشيل كيمب، واعتماد أداء الجميع على النظرة والإيماءة والانفعالات الظاهرة والمكبوتة شديدة الصعوبة، فإن فيلم"قيمة عاطفية" يبدو مثل تحفة نادرة شبه متكاملة، قوية ومؤثرة، وتدفع أيضا للتأمل والتفكير.
لا غنى عن الفن ولاعن الإنسان معا، ولا حل سوى بتصالحهما داخل نفس الشخص، يدافع بورج عن حريته الفردية كفنان، وينصح ريتشيل بالدفاع عن حريتها واختياراتها، ولكنه يستلهم حكايات عائلته أيضا، ثم يعود الى البيت عندما يعود الى الأستديو وإلى السينما، فيسترد الفن والعائلة معا.
هنا قفط تذوب الحدود بين الواقع والفيلم الذى تم تصويره، وتختلط حكاية الجدة بالحفيدة، وتمتد الرحلة من آينيس إلى ابنها الممثل الصغير، ومن بورج الى ابنته الممثلة نورا، ويحتضن البيت البشر والحكايات من جديد، واقعا وفنا.
عاشت العواطف، وعاشت السينما التى تعبّر عنها، بمثل هذه البلاغة والبراعة.