لا أعتقد أن هدف الأفلام تعذيب المشاهدين ، ولا نقل الواقع كما هو، وإنما تقديم رؤية موازية وخلاقة لهذا الواقع، وإعادة تشكيل المادة بأدوات هذا الفن.
من هذه الزاوية الواسعة ، لا أعتقد أن فيلم صوت هند رجب للمخرجة التونسية كوثر بن هنيّة ، والذى اختير لختام مهرجان القاهرة السينمائي 2025، وكان قد توّج قبل ذلك بجائزة الأسد الفضي في مهرجان فينسيا في نفس العام، لا أظنه كان موفقا من الناحية الفنية، وإن كان مؤثرا بالطبع من الناحية الإنسانية، وهو أمر بديهي بسبب هذا الإلحاح العاطفي على مدى نحو ساعة ونصف الساعة، ونحن نسمع صوت طفلة بريئة تستغيث، وتطلب المساعدة، بينما قتل كل من حولها.
لا يمكن لإنسان ألا يتأثر بالطبع، وربما لو تركنا صوت طفل يبكى بجوارنا لمدة دقائق قليلة لبكينا، أو لخرجت انفعالات غضب مؤلمة، وأتخيل أن هذا الأصوات يمكن أن تستخدم بسهولة فى عمليات التعذيب فى السجون !
حكاية الطفلة الفلسطينية هند رجب حمادة بالذات مثالية فى تأثيرها العاطفى المضمون، وخاصة مع احتفاظ مركز الطواريء فى رام الله بتسجيلات حوارات موظفيها مع الطفلة المحاصرة فى سيارتها، وكانت هند الجميلة تصرخ وتطلب النجاة والمساعدة، بينما تصف منظر الدماء والموتى، وقد وقعت المأساة فى ذروة القصف الهمجى والبربرى على غزة، وإثر قرار لهذا الجيش المنحط بإجلاء سكان منطقة تل الهوى فى شمال قطاع غزة.
المخرجة كوثر بن هنية التى عرفت بطريقتها فى المزج بين التسجيلى والدرامي، وهو بالمناسبة ليس اختراعا، والتى تختار دائما موضوعات تتعلّق بالاهتمام العالمى والأوربى تحديدا، وجدت ضالتها فى تلك التسجيلات، فأخذت أجزاء منها، أهمها صوت الطفلة المحاصرة، ثم قدمت درام تمثلية لما حدث فى حجرة مركز طوارئ رام الله بالضفة الغربية، بعد أن دُمرت تماما مراكز طوارئ غزة، وهكذا أصبح بناء الفيلم مزيجا بين صوت هند، وما نراه من موظفى الطوارئ فى محاولة لإنقاذ هند.
لا مشكلة عندى نظريا فى هذا الاختيار الفني ، والذى أريد له أن يجعلنا نعيش تجربة ومعاناة هند والموظفين معا، وأن يكون صوت هند وحده هو المسيطر دون أن نرى صاحبته إلا فى صور فوتوغرافية ستظهر بعد أن وصل إليها موظفو المركز، وعدم امتداد الخيال الدرامى إلى رؤية هند ومكانها وسيارتها، يجعلنا أكثر عجزا وحصارا، أى أن المخرجة قررت أن تحاصر متفرجيها الغلابة أيضا فى قاعة العرض، مثلما حوصر موظفو الطوارئ، بحكم عملهم، فى هذه المأساة الإنسانية المرعبة.
ليس هذا البناء جديدًا، وأفلام كثيرة تنقل الأحداث فقط عبر المحادثات التليفونية لإنقاذ المستغيثين، وقد شاهدنا من سنوات فيلما روائيا دانمركيا بديعا فى صالة مركز شرطة يقوم كله على تلك المحادثات، ولا يغادر المكان أبدا، ولكن هذا الاختيار فى "صوت هند جعفر" هو اختيار معذّب للغاية، لأنه يضاعف الشحنة العاطفية التى لا تحتاج أصلا إلى مضاعفة، ولأنه يعاقب المتفرج وكأنه هو الذى قتل هند رجب وليس إسرائيل .
قد يرى البعض أن هذا مقصود لإيقاظ الضمير العالمي، وتلك الكليشيهات المتداولة، ولكن مشكلة مأساة غزة لم تكن فى رأيى فى الضمير العالمى ، وفى الشعوب والناس العاديين، والذين خرجوا فى أوربا وأمريكا فى مظاهرات حاشدة ، ولكن فى دعم بعض الحكومات، وخصوصا أمريكا طبعا، لهذه المجزرة، وبالتالى نحن أمام حالة تشبه حالة حرب فيتنام، والتى فشل الضمير العالمي، وفشلت الاحتجاجات والمظاهرات المستمرة فى وقفها .
ليس أدل على يقظة الضمير العالمي، والتضامن الساحق من الشعوب، من عرض هذا الفيلم فى مهرجان فينسيا ، وفوزه بجائزة مهمة، هناك إذن تغّير حقيقى فى الرأى العام العالمى بسبب حرب الإبادة فى غزة، وبالتالى فإن الناس لا تحتاج فى رأيى الى هذا "الابتزاز العاطفي" الذى يحوّل قاعات العرض السينمائى إلى مراكز طوارئ للتعذيب بصوت ملاك بريء، سيخترق الرصاص جسدها فى النهاية بوحشية هائلة.
ليست هذه المشكلة الفنية الوحيدة، لأن المزج بين صوت هند الواقعي، وبين ما نراه تمثيلا فى مركز الطوارئ لم يكن موفقا، فالمسافة واسعة جدا هذه المرة بين سطوة صوت الطفلة الملاك، وبين التمثيل الركيك داخل المركز، وخصوصا أن الحبكة الدرامية لم تكتف بالصراع القوى الجاهز، وهو استغاثة طفلة فى مواجهة الموت، وإنما، ولإضافة جرعة إضافية من الصراع، ظهر خلاف عجيب ومفتعل بين عمر ، وهو أول من وصل الى صوت هند رجب، وبين مهدى رئيسه فى مركز الطوارئ، وقد أدى هذا الصراع الى أمرين بائسين حقا رغم أنهما بالتأكيد غير مقصودين على الإطلاق: الأول هو منافسة صراع هند الأساسى فى مواجهة الوحشية الإسرائيلية، وكأننا أمام صراع فلسطينى/ فلسطيني، وليس إسرائيليا فلسطينيا، والثانى هو الصنعة والافتعال الذى يشكك فى مدى كفاءة فريق الطوارئ ومهنيته، مع التسليم بأننا بشر فى نهاية المطاف، ولا نستطيع أن ننفصل تماما عن إنسانيتنا، ولكن العاملين فى تلك الأماكن يجب أن يخضعوا لبروتوكول صارم فى التحرك، وإلا لما كان هناك فارق بين أى منقذ فى الشارع، وبين هؤلاء الموظفين المدربين.
وسط هذه المأساة، ظل عمر، وهو شخصية محورية، أسوأ الشخصيات فى تصرفها، وكان الممثل الذى لعب دوره هو الأكثر رداءة وافتعالا، وقد جعل هذا الموظف المدرب على عمله من رئيسه عدوا بديلا ، وكأن مهدى يريد للطفلة أن تموت، بينما كان مهدى يمتلك منطقا قويا، ويتحدث باستمرار عن خطوات ضرورية حتى لا تقصف سيارة الإسعاف.
وقد سار مهدى فى الإجراءات الضرورية لمرور سيارة الإسعاف لإنقاذ هند، ومع ذلك قصف الجيش الإسرائيلى السيارة، وقتل من فيها، وهذا دليل وحشية الاحتلال، ولكنه ليس دليل خطأ مهدى كما قد يتخيل البعض.
ومرة أخرى، فإن رئيس العمل تصرف وفق القواعد، بينما الجيش الإسرائيلى هو الذى لم يلتزم بها، ولو ترك مهدى القواعد فى كل مشكلة لما كانت هناك حاجة لهذا النظام أصلا، ولتركت عمليات الإنقاذ لاجتهاد كل شخص، وربما لسمحنا لأم هند، والتى تتواصل معها أيضا تليفونيا، أن تأخذ سيارة، وتتجه مباشرة لإنقاذ طفلتها فى مكان الحادث !
فى مركز الطوارئ صراخ ونحيب وعويل ومشاجرات أيضا، بينما صوت هند هو الصادق الوحيد فى هذه الفوضى، وبسبب الإصرار على استغلال الصوت فقط، أصبحنا أمام حكاية موظفى غرفة الطوارئ، ولسنا أمام حكاية هند رجب، والمرة الوحيدة التى فكرت فيها المخرجة فى إيجاد معادل بصرى لصوت هند ، عندما ظهر ما يشبه البحر، وفيما عدا ذلك، ليس أمامنا سوى مشاجرات عمر مع مهدي، وبكائيات رنا، ومحاولات زميلتها نسرين تهدئة الثائر عمر، بل وبدا وكأن الموظفين فى الطوارئ فى حاجة الى طوارئ!
أفسدت المبالغة كل شيء فى الصورة، وظهر التفاوت حادا بين التسجيلى والروائي، خصوصا مع لقطات النهاية بظهور سيارة الإسعاف المدمرة الحقيقية، وكذلك سيارة هند المهشمة، ثم ظهور أم هند الحقيقية، وصور ضحايا سيارة الإسعاف، مما يدعو فعلا إلى التساؤل عن مدى ما خصمته فوضى مركز الطوارئ من الحكايات؟! وعن جدوى إضافة الدراما الممثلة إلى الدراما الواقعية القوية فى ذاتها، وعن ملاءمة السينما التسجيلية أكثر لمعالجة هذا الحادث بالذات؟!
لكن ما شاهدناه عن طريقة الإنقاذ بأسلوب "حاسب يا جدع"، و" حلّق حوش "، ونقل الصراع ضد الوحش الذى يهدد هند، إلى الصراع الوهمى ضد رئيس العمل، وهذا الإفراط العاطفى المضاعف الذى لا يحتاجه الحادث البشع، كل ذلك جعل الفيلم فى مأزق فنى كبير، مهما كانت كمية الدموع، ومهما كان عدد الجوائز والتكريمات.