مركز عمان المالي.. وجهة اقتصادية عالمية للاستثمار وتموضع استراتيجي جديد

مركز عمان المالي.. وجهة اقتصادية عالمية للاستثمار وتموضع استراتيجي جديد السلطان هيثم بن طارق

عرب وعالم20-1-2026 | 13:01

تتجه سلطنة عُمان خلال الفترة القادمة، لبلورة استراتيجية اقتصادية جديدة تتوافق وتعمل على تحقيق مستهدفات الرؤية المستقبلية 2040، وأن تكون مركزا عالمياً ومقصداً دولياً للاستثمار والأعمال، من خلال استقطاب رؤوس الأموال والمؤسسات المالية الإقليمية والدولية، والترويج ل سلطنة عمان كوجهة استثمارية جاذبة وفق أرقى المعايير العالمية.

يعزز هذا التوجه الجديد، إصدار السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، قرارين يشكلان مرتكزا محورياً في إطار بلورة هذه التوجه وتلك المرحلة في استدامة النهضة العُمانية المتجددة، القرار الأول تمثل في إنشاء مركز عُمان المالي العالمي الصادر بالمرسوم السُّلطاني السّامي رقم (8 / 2026)، في مدينة العرفان في محافظة مسقط ، بغية تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز مكانة عُمان كمركز عالمي للخدمات المالية واستقطاب رؤوس الأموال ودعم الابتكار، والثاني تمثل في المرسوم السلطاني بتولي ذي يزن بن هيثم، منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية.

والمؤكد أن إنشاء هذا المركز يجسد التزام سلطنة عُمان ببناء منظومة موثوق بها وفَعالة لتقديم خدمات مالية متطورة تلبي احتياجات المستثمرين والمؤسسات العالمية.

وبموجب قانون مركز عُمان المالي العالمي، يتمتع المركز بالاستقلال الإداري والمالي والتشريعي وسيعمل على تطوير إطار تنظيمي وقانوني وقضائي يتماشى مع المعايير الدولية.

ويأتي إنشاء مركز عُمان المالي العالمي بوصفه لحظة انتقال محسوبة في مسار الدَّولة الاقتصاديَّة، لحظة تُعَبِّر عن خروج هادئ من منطق إدارة الاستقرار إلى منطق صناعة الدَّوْر، بعد سنوات من العمل الصامت على إعادة ضبط الماليَّة العامَّة، وتحسين التصنيف الائتماني، وبناء ثقة متراكمة مع الأسواق والمؤسَّسات الدوليَّة.

كما يأتي قرار إنشاء المركز ترجمة سياسيَّة واقتصاديَّة لاقتناع راسخ بأنَّ الاستقرار حين يترسَّخ يتحوَّل من حالة دفاعيَّة إلى منصَّة انطلاق، فالدوَل الَّتي تكتفي بحماية توازنها الداخلي تظلُّ أسيرة رد الفعل، أمَّا الدوَل الَّتي تستثمر هذا التوازن فتبدأ في تشكيل موقعها داخل النظام المالي العالمي، ويبدو المركز تعبيرًا عن نضج في إدارة التحوُّل، وعن وعي بأنَّ اللَّحظة الدّوليَّة المضطربة تفتح فرصًا لِمَن يمتلك الهدوء، والقدرة على التخطيط طويل الأجل، وبنية مؤسَّسيَّة قابلة للثقة.. هكذا يتحوَّل الاقتصاد من ملف إدارة أزمات إلى أداة تموضع استراتيجي، وتتحوَّل عُمان من متلقٍّ ل حركة رأس المال إلى صانع لمساره ضِمن قواعد واضحة ورؤية ممتدَّة.

تسعى عُمان خلال المرحلة المقبلة إلى تعزيز دور القطاع المالي في الناتج المحلي الإجمالي، في ظل التوجه العالمي لتعزيز الرأسمالية التي تركز على الأهداف البيئية والاجتماعية والحوكمة، وتتجاوز التركيز الضيق على أرباح المساهمين إلى تحقيق التنمية المستدامة ورفاهية المواطنين، مع زيادة دور الحكومات في تشكيل الأسواق ودمج التكنولوجيا مثل الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، ومواجهة تحديات مثل اللامساواة وتغير المناخ ضمن إطار تعاوني بين الشركات والدول لخلق نظام أكثر شمولاً واستدامة.

والواقع، فإن مساهمة القطاع المالي وأنشطة التأمين في الناتج المحلي الاجمالي ل سلطنة عمان قد تجاوزت ملياري ريال عماني خلال عام 2024، مع تحقيق نمو حقيقي بنسبة 1,8 بالمائة مقارنة مع عام 2023، ومع زخم من الاستراتيجيات والمبادرات الداعمة للقطاع, حقق نموا بنسبة 5.5 بالمائة خلال الفترة من بداية 2025 حتى نهاية الربع الثالث وزادت مساهمته في الناتج المحلي إلى 1.6 مليار ريال عماني مقارنة مع 1.5 مليار عماني خلال نفس الفترة من 2024.

وفي مبادرة تعزز نمو القطاع المالي وتواصل من خلالها سلطنة عمان التقدم في جهود الاستدامة المالية وتنويع الاقتصاد ومصادر تمويل المشروعات وتواكب بها التطورات العالمية، يأتي إقرار مجلس الوزراء لانشاء "مركز عُمان المالي العالمي" بهدف إيجاد بيئة جاذبة للاستثمارات والبنوك التجارية والمؤسسات المالية العالمية المتخصصة في الخدمات المصرفية التجارية والإسلامية والخدمات المالية والتأمينية وغيرها من الأنشطة المساندة، ونقل المعرفة وتوفير المزيد من الوظائف النوعية في القطاعات المالية.

ويؤكد انشاء هذا الكيان المالي الجديد على انفتاح سلطنة عمان تجاه جذب الاستثمارات، وتعزيز توجهها نحو توسعة حجم الاقتصاد من خلال اندماج الاقتصاد العماني مع نظيره العالمي حيث يعد حجم الاقتصاد وتنوع مجالات الاستثمارات محددا مهما في تعزيز التنافسية والجاذبية الاستثمارية.

ويتم الاعلان عن المركز في ظل نمو متواصل للقطاع المالي والمصرفي وتحسن في مؤشرات اداء بورصة مسقط، مع تنفيذ استراتيجية البنك المركزي العماني (2026م - 2030م) والبرنامج الوطني "استدامة" الذي تم اطلاقه في عام 2024 لتستكمل به سلطنة عمان مسارالاستدامة المالي بعد نجاح حققه تنفيذ الخطة المالية متوسطة المدى 2020 - 2024, كما قاد تنفيذ استراتيجية بورصة مسقط لرفع القيمة السوقية بشكل ملموس لتتجاوز حاليا 32.9 مليار ريال عماني.

يشمل القطاع المالي في سلطنة عُمان بورصة مسقط وشركات التأمين والتمويل والمصارف التجارية (المحلية والأجنبية) والمصارف الإسلامية والنوافذ الإسلامية التابعة للمصارف التجارية، والمصارف المتخصصة, ويشهد القطاع تطورا وتنويعا للانشطة من خلال انشاء بنك الاستثمار العماني, والذي تم تدشين نشاطه في 2024 كأول بنك استثماري متخصص مملوك لحكومة سلطنة عمان ويقدم البنك حلولًا ومنتجاتً مالية متطورة للشركات والمؤسسات المحلية والإقليمية، ويستهدف أن يكون مركزًا رئيسيًا للخدمات المالية المتخصصة دولياً للأعمال الاستشارية وأعمال أسواق رأس المال والمعاملات المصرفية والخدمات المالية التجارية.

كما تتواصل جهود تعزيز القطاع المالي، وزيادة مساهمة البنك المركزي في تحقيق رؤية سلطنة عمان في التنمية الاقتصادية المستدامة من خلال تطوير الاطر التشريعية وإصدار القانون المصرفي في عام 2025، والذي تضمن تنظيم البنك المركزي لانشطة مالية جديدة مثل البنوك الرقمية، واصدار نظام البنك المركزي لدعم الاستقرار النقدي من خلال المحافظة على استقرار سعر صرف عملة سلطنة عمان واستقرار الأسعار, والمساهمة في الاستقرار المالي، وصون سلامة ومتانة واستقرار القطاع المصرفي والمصارف المرخصة والمؤسسات المالية، وحماية أموال المودعين.

تستفيد سلطنة عمان في انشاء المركز المالي من تجارب اقليمية وعالمية أبرزها سنغافورة التي تعد رائدة في مجال الانشطة المالية بفضل ما تتمتع به من بيئة تشريعية وتنظيمة مواتية، وسياساتها المحفزة لجذب رؤوس الأموال, وأصبحت سنغافورة مركزا ماليا عالميا لتداول العملات وإدارة الثروات والتكنولوجيا المالية ورسخت مكانتها كلاعب رئيسي في القطاع المصرفي اقليميا وعالميا لتتحول إلى منافس لمراكز عالمية مثل لندن ونيويورك وتتفوق على مراكز اقليمية مثل هونغ كونغ وماليزيا, وتعتمد سنغافورة على القطاع المالي كركيزة لنمو اقتصادها، اذ يسهم القطاع بشكل رئيسي في الناتج المحلي الإجمالي وجذب تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وتتجاوز القيمة السوقية لبورصة سنغافورة العديد من منافسيها الإقليميين، وتعد تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى سنغافورة من بين الأعلى عالميا.

إجمالاً ... يمكن القول أن التوجه العُماني الجديد سيعزز من مكانتها العالمية اقتصادياً، وستصبح واحة للاستثمار الآمن، بجانب مكانتها العالمية سياسياً بسبب حرصها ودعوتها لإحلال السلام والأمن في العالم والقيام بدورها الدبلوماسي المعروف والناجح عالمياً والقائم على الحياد الإيجابي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى والوقوف على مسافة واحدة من طرفي أي طراع داخلي أوإقليمي أو دولي.

والمؤكد أن مركز عُمان المالي العالمي يتميّز بقدرته على الجمع بين مختلف المزايا التنافسية التي تعزز مكانة الاقتصاد العُماني كوجهة رائدة للشركات والمستثمرين، من خلال تقديم تكلفة تنافسية وسرعة استجابة ومرونة تشريعية وفرص للوصول إلى الأسواق العالمية، فضلاً عن أنه يتجاوزكونه كيانًا ماليا ليصبح أداة من أدوات الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة، تُعزِّز حضور عُمان في شبكات المال العالمية.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان