من فوق قمم جبال «الألب» السويسرية، حيث يجتمع صناع القرار، وأباطرة المال، وقادة الفكر فى منتدى «دافوس» العالمي، لم تكن مصر حاضرة فحسب، بل كانت «مؤثرة» و«محورية» و«فاعلة»، فلم يكن حضور السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مجرد مشاركة بروتوكولية فى محفل دولي، بل كان «إعلاناً سيادياً» عن «دولة» استطاعت أن تعبر أمواج الأزمات العاتية لتستقر على شاطئ القوة والثبات.
في دافوس 2026، قدم الرئيس السيسي للعالم صورة مصر التى لا تنكسر، مصر التى تحولت من مرحلة «تثبيت أركان الدولة» إلى مرحلة «الريادة الإقليمية والتمكين الاقتصادى»، الكلمات التالية ليست مجرد رصد لنشاط رئاسي، بل قراءة فى فكر قائد نجح فى تحويل التحديات الوجودية إلى فرص استراتيجية، وفرض أجندة القاهرة على طاولة الكبار.
تابعت مثل كل المصريين، بفخر وشغف كافة تحركات الرئيس السيسي ونشاطاته المكثفة على مدار اليومين اللذين قضاهما فى دافوس ثم عادإلى أرض الوطن عصر يوم الخميس الماضي، ولقد كان أكثر ما جعلنى أشعر بالفخر، ذلك اللقاء الذي جمع الرئيس السيسي بنظيره الأمريكي دونالد ترامب هو «درة التاج» فى نشاط دافوس، لم يكن لقاءً تقليديًا، بل كان تجسيدًا لشراكة استراتيجية شاملة، حيث كان ترحيب الرئيس السيسي بمبادرة الرئيس ترامب لإنشاء «مجلس السلام» عاكسا الرؤية المصرية الثاقبة التى تؤمن بأن الاستقرار العالمى لا يتحقق إلا بالحوار وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وقد أثبتت مصر أنها الرقم الصعب فى معادلة الشرق الأوسط، فإشادة ترامب بالدور المصرى فى تحقيق الأمن والاستقرار ليست مجرد كلمات دبلوماسية، بل هي اعتراف دولى بأن القاهرة هى صمام الأمان للمنطقة بأسرها.
أما الحديث عن سد النهضة، وعدالة القضية وقوة الموقف، فقد كان من الأحاديث المهمة فى تلك القمة الأهم، فهذا الملف الذى يشغل بال كل مصرى، كان حاضرًا وبقوة فى قلب المباحثات مع ترامب، وبوضوح لا يقبل التأويل، وضع الرئيس السيسي قضية مياه النيل أمام الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولى باعتبارها «قضية وجودية»، مؤكدًا للعالم أجمع أن مياه النيل «خط أحمر».
لقد نجحت الدبلوماسية الرئاسية فى إقناع الجانب الأمريكي بالتحرك الجاد فى هذا الملف، ولا شك أن رعاية الرئيس ترامب لجهود تسوية هذه الأزمة الممتدة تمثل انفراجة مرتقبة، تعكس قدرة مصر على حشد الدعم الدولى لموقفها العادل، وقد كانت رسالة الرئيس حاسمة: «نحن لسنا دعاة صراع، بل دعاة تنمية، لكننا لن نتنازل عن نقطة مياه واحدة»، حيث استطاع الرئيس أن يوضح للعالم أن موارد النيل وفيرة وتكفى الجميع إذا أحسن استغلالها وفق قواعد القانون الدولى، محرجًا بذلك كل من يحاول التعدي على الحقوق التاريخية لمصر، ومثبتًا أن القيادة المصرية تمتلك من الحكمة والقوة ما يضمن حماية مقدرات هذا الشعب.
ولم ينسَ الرئيس فى غمرة انشغالاته الاقتصادية الجرح الفلسطينى النازف، حيث كان لحديث الرئيس عن «قمة شرم الشيخ للسلام» صدى واسع فى أروقة دافوس، وهو ما يؤكد أن نجاح مصر فى الوصول إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب فى غزة، والإعلان عن تشكيل «اللجنة الوطنية الفلسطينية» لإدارة القطاع، هو انتصار للدبلوماسية المصرية التى تعمل فى صمت وقوة.
ولقد واصل الرئيس دوره، ودور مصر التاريخي تجاه القضية الفلسطينية، وحق الأشقاء هناك عندما حرص وهو فى دافوس على وضع المجتمع الدولى أمام مسئولياته، مطالبًا بالبدء الفوري فى «التعافى المبكر» وإعادة الإعمار، ومؤكدًا أن حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية هو الطريق الوحيد والأوحد لاستقرار المنطقة، وفى هذا الموقف تحديدًا مصر كانت لا تتحدث كطرف وسيط فحسب، بل كقوة إقليمية تفرض واقعًا جديدًا ينهى معاناة الأشقاء الفلسطينيين.
لم تقتصر رؤية الرئيس فى دافوس على الشأن الداخلى، أوهموم النيل وغزة فقط، بل امتدت لتشمل هموم «البيت العربى»، فى السودان، كانت الدعوة واضحة لـ «هدنة إنسانية عاجلة» وإنهاء معاناة الشعب الشقيق فى إطار عمل «الرباعية»، وفى لبنان، شدد الرئيس على ضرورة احترام سيادة الدولة اللبنانية وبسط سلطتها على كامل أراضيها، هذه المواقف بالطبع تعزز من صورة مصر كدولة «رصينة» لا تسعى للهيمنة، بل تسعى للبناء؛ دولة تؤمن بأن أمنها القومى يبدأ من استقرار جيرانها.
ذلك كان حديث السياسة على مسرح الاقتصاد أما فيما يخص الاقتصاد فلقد كان الرئس السيسي حريصا على أن يقدم مصر بشكل يليق بها وبقدراتها وإمكاناتها ويروج لها بالشكل الذى يمنحها فرصا تخدم حاضرها ومستقبلها ففى «جلسة الحوار الخاص» ولقاء «نخبة قادة الأعمال»، تحول السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى «سفير الاستثمار الأول»، بلسان الواثق، حيث استعرض الرئيس محاور الإصلاح الاقتصادى التى أبهرت مؤسسات التمويل الدولى، وأجاب للعالم عن السؤال الأهم: «لماذا يثق العالم فى اقتصاد مصر الآن؟».
الإجابة كانت واضحة وملخصة فى «الإرادة السياسية»، حيث تم وضع سقف للاستثمارات الحكومية لإفساح المجال للقطاع الخاص، وأيضًا فى «البيئة التشريعية»: وما يتعلق بـ «الرخصة الذهبية» وقانون حوافز الهيدروجين الأخضر، وأيضا «البنية التحتية»، وقناة السويس التى عادت كشريان لا غنى عنه للتجارة العالمية، والمدن الذكية، وشبكات النقل التى تضاهى المستويات العالمية.
ولقد كانت كلمات «بورج برانديه»، رئيس المنتدى الاقتصادى العالمى، واضحة حين أشار إلى أن تخصيص جلسة خاصة لمصر هو تقدير لمكانتها، وأن رفع التصنيف الائتمانى لمصر وشهادات صندوق النقد الدولى لم تأتِ من فراغ، بل هى نتاج «عبور اقتصادى» جديد يقوده الرئيس عبد الفتاح السيسي.
لقد انتهت الثمانى وأربعين ساعة التى قضاها الرئيس السيسي فى دافوس إلى رسالة عميقة وجهها الرئيس للجميع مفادها: «استقرار مصر نابع من وعى وإدراك شعبها»، هذه هى الحقيقة التى يجب أن يعلمها العالم؛ أن خلف هذا القائد شعبًا تحمل مرارة الإصلاح الاقتصادى إيمانًا منه بالهدف الأسمى.
إن ما شهدناه فى دافوس هو «ملحمة دبلوماسية واقتصادية» تؤكد أن مصر تسير فى الطريق الصحيح، وأن «الجمهورية الجديدة» ليست مجرد شعار، بل هى واقع نعيشه، يراه العالم ويحترمه، ويقف أمامه إجلالا وتقديرًا.
إذن.. هل نجحت مصر؟ نعم، لقد نجحت مصر فى دافوس 2026 فى تقديم نفسها كدولة «عصرية، قوية، ومنفتحة»، دولة لا تستجدى الاستثمار، بل تعرض فرصًا تحقق الربح للجميع، دولة لا تفرط فى حقوقها المائية، بل تفرض احترامها بالحق والقانون، دولة لا تكتفى ببيانات الشجب، بل تصنع السلام على الأرض.
حفظ الله الجيش.. حفظ الله الوطن