في العام 2001، وفي وقت كانت السينما المصرية تشهد انتعاشة كبيرة بأفلام أصطلح علي تسميتها بـ "أفلام المضحكين الجدد"، كان المخرج طارق العريان وكاتب السيناريو الجديد محمد حفظي يقدمان فيلمهما الرومانسي "السلم والثعبان" بطولة هاني سلامة و حلا شيحة وأحمد حلمي.
شاهدت الفيلم وقتها في سينما أوديون، وكان عملا مبهرا من الناحية البصرية، فهذا عالم لامع مصقول، وهذه حكاية رومانسية إجتماعية عن طبقة مختلفة مرتاحة، وهذه أيضا حكاية تنتصر كالمعتاد للحب، مثل كتالوج نهاية الأفلام الرومانسية ، ولكن بتفاصيل مدهشة، وعلي موجة الجيل الجديد وقتها، وكان يمكن اعتبار "السلم والثعبان" في ذلك مغامرة حقيقية، لأن النوع السائد وقتها هو الفيلم الضاحك، كما كان يمكن اعتباره العودة الأولي للفيلم الرومانسي قبل عرض ونجاح فيلم "سهر الليالي" للمخرج هاني خليفة وكتابة تامر حبيب.
مع عودة ونجاح الأفلام الرومانسية مؤخرا، عاد طارق العريان من جديد لتقديم جزء ثان من فيلمه القديم، بعنوان " السلم والثعبان .. لعب عيال"، والحقيقة أنه
لا علاقة بين هذا الفيلم من بطولة عمرو يوسف وأسماء جلال، وبين الفيلم القديم، وإنما الصلة الوحيدة مرتبطة بتيمة الصعود والهبوط في العلاقة بين بطلي الفيلم، تماما مثل لعبة السلم والثعبان، إنها مرة أخري عملية المد والجزر، ولكن في مرحلة عمرية أخري، وفي طبقة مخملية، مع انتصار للحب من جديد، وبتفاصيل عاطفية ونفسية وإنسانية، وبما يقترب إلي حد ما من مشكلة "أزمة منتصف العمر"، أو حتي أزمة "هرشة السنة السابعة"، وإن كان بطلا الحكاية هنا في سنة زواجهما العاشرة.
ماذا إذن عن هذه اللعبة الجديدة ؟
في هذه المرة توجد أيضا لعبة، ويوجد صعود وهبوط، ولكن ليس في العلاقات الدرامية بين الشخصيات فقط، ولكن كذلك بمعني التذبذب في مستوي أجزاء الفيلم، وتبدو ثمة مشكلات واضحة أبرزها أن مسألة هروب الزوج أحمد الألفي ( عمرو يوسف ) من منزل الزوجية، وطلبة لاستراحة من الحياة مع زوجته ملك ( أسماء جلال )، ومحاولات ملك المستمرة لاستعادته، تبتلع الفيلم تقريبا، حتي يحدث التحول بعد ذلك، عندما تنقلب الموازين، ويحاول أحمد أن يطارد ملك، بعد أن عرف علاقتها مع أمير ( ظافر العابدين).
لا يوجد توازن في بناء مراحل اللعبة، ولا حتي في ظهور ظافر العابدين العابر، والمشكلة الثانية هي هذا الطابع المسلسلاتي للفيلم كله، ولا أعرف هل سبب ذلك التكرار والاستطراد أحيانا، أم أن نوعية الفيلم قد احتكرتها الدراما التليفزيونية الممطوطة، ومنها نماذج شهيرة من المسلسلات التركية والمكسيكية، مما ألقي بظلال علي معالجات هذه الأفلام.
هذا الطابع موجود في الحوارات والمواجهات أيضا، رغم الصورة اللامعة المصقولة كالعادة ، ورغم الديكورات الفخمة، والحفلات المبهرة، ولكننا في النهاية أمام مادة تصلح لمسلسل طويل، يدور ويلف ويلعب، حتي تتغير العلاقات بعد وقت طويل جدًا من البداية، بينما يبدو "السلم والثعبان" في جزئه الأول عملا أكثر تماسكا نسبيا.
لو اتجهنا إلي التفاصيل ورسم الشخصيات، سنجد أيضا بعض المشكلات: بطلتنا ملك ليست مراهقة، وهي شخصية قوية، تزوجت أحمد الألفي رغم معرفتها بأنه دون جوان، وأحبها هو، وأنجب منها، وعاش مخلصا في سعادة واستقرار معها، ولكنه فجأة، ودون تمهيد درامي ولو بإشارة معينة، وبعد انتهاء عناوين البداية مباشرة، يطلب "بريك" من زوجته بسبب الملل !
قد تكون الشخصية متقلبة، أو شعرت بالحنين لحياة الحرية، ولكن ماذا عن ملك القوية المستقلة؟ كيف قبلت أن تعود إلي وضع يجعلها متزوجة وغير متزوجة ؟ وكيف وافقت علي أن ينطلق زوجها الي حياة ما قبل الزواج بينما هو الآن مازال زوجها ووالد طفيلها؟
هنا موقف اجتماعي ونفسي غريب لا أظن أن شخصية مثل ملك تقبله، بل إنها توافق علي مشورة صديقاتها الثلاث بمحاولات استعادة أحمد إلي عش الزوجية، وتوافق كذلك علي ألعاب أحمد معها لتجديد العلاقة، والقيام بأدوار مختلفة تشعل خيال الزوج المارق، بينما يقول هو بعد كل هذا الجهد إنه "غير مستعد بعد للعودة"، في حين يبدو صديقاه مصطفي ( حاتم صلاح) وحسين (ماجد المصري) وقد حسما موقفيهما بالإصرار علي الحياة الموازية الحرة لحياتهما الزوجية، وهما بالمناسبة شخصيتان لا تتطوران من أول الفيلم الي آخره، ويتصرفان وكأنهما غير متزوجين علي الإطلاق.
بعض الشخصيات تعيش فعلا بهذه الطريقة، ولكن مهمة السيناريو أن يقنع بذلك، وأن يوفر حيثيات ملائمة تجعل هذه العلاقات مفهومة، ولذلك كان طلب ملك الطلاق متأخرا للغاية، وكأنها شعرت أخيرا بالإهانة، وفوجئت بطريقة أحمد الألفي، الذي كان صريحا معها، والذي رفض العودة إلا بالصورة التي توفر له "ملك جديدة ومتغيّرة يريدها في خياله".
أما شخصية رجل الأعمال والعاشق القديم أمير فهي أغرب وأعجب، إنه أمير فعلا وابن حلال، وجنتلمان يؤدي دوره أولا في إحياء غيرة أحمد أخيرًا علي ملك، ثم ينسحب بسهولة بالغة عندما تلمّح له ملك بذلك، وهكذا يفتقد الفيلم صراعا هامًا كان سيزيد الأزمة، وستعود ملك الي أحمد مع أول عبارة حب تقليدية.
تظل الفكرة مع ذلك لافتة وهامة، وإن لم تكن جديدة، لأن معالجات كثيرة في أفلام مصرية وعالمية تناولتها من قبل، وبأشكال كثيرة أيضا، وفيلم مثل "عفريت مراتي"، وهو عمل كلاسيكي كوميدي مميز، لم يكن في جوهره إلا محاولة زوجة للهروب إلي "فانتازيا السينما" وتعدد الشخصيات والأدوار من ملل الحياة الزوجية، ويقال ذلك صراحة في أغنية شادية الوحيدة في الفيلم وعنوانها "فارس أحلامي"، حيث تتمني الزوجة أن تتغير شخصيات زوجها، وهو ما يفعله في الفيلم كعلاج لها، بادعاء كونه زعيم عصابة، أي أننا أمام ملل زوجة من رتابة حياتها، وهو معكوس علاقة أحمد وملك.
تحتاج الحياة الزوجية إذن إلي الاستقرار والأولاد والحياة الهادئة، ولكنها تحتاج كذلك إلي كسر الملل، والخيال، وبقاء الشغف، ولذة المغامرة، ومشاهد ما بعد العناوين في فيلم "السلم والثعبان 2" تقدم لنا أدوارًا خيالية جديدة مبتكرة يقوم بها الزوجان، حتي لا يتسلل الملل إلي عالمهما المخملي.
لابد من الإشادة بعناصر كثيرة مثل صورة أحمد طارق بيومي، وموسيقي ساري هاني، ومونتاج أحمد حمدي، وبأداء الثنائي عمرو يوسف وأسماء جلال، لقد كانا موفقين في تقديم وجوه شخصيتي أحمد وملك الخفيفة والجادة معا، وهما موهبتان حقيقيتان وليسا مجرد نجم وسيم ونجمة جميلة، وفي حين كان حاتم صلاح ابتسامة الفيلم الدائمة، فإن حضور ماجد المصري وظافر العابدين كان عابرا بسبب دورين يسيريان علي وتيرة واحدة تقريبا، ولفتت نظري كالعادة فدوي عابد في دور الصديقة، والرائعة سوسن بدر في مشاهد قليلة ولكن مؤثرة ومميزة في دور والدة ملك.
هذه حكاية تتحدث عن الأزواج عندما يقومان بممارسة لعب العيال، وتظل مشكلتها في الإقناع بأن العيال سيعودون أزواجا ناجحين بعد كل هذه المعاناة، فهل يعدون من الآن لجزء ثالث لتحقيق المزيد من الإقناع ؟