يحمل فيلم كولونيا الذي أخرجه محمد صيام في أول أفلامه الروائية الطويلة، أكثر من مفاجأة تكسر التوقعات، أولها وأهمها أنه يقدم رؤية مختلفة للعلاقة بين أب وابنه، لا تنقل أي طرف إلى خانة الطرف الآخر، بل ولا تغيّر الكثير في حياتهما، ولكنها تقترح تواصلا أفضل، واكتشافا أعمق، ونقطة تلاق بعد طول صراع، كما تقدم لنا هذه التجربة، رغم بعض الملاحظات، مخرجا مميزا، يحاول أن يصنع أفلاما مغايرة، ويمتلك وسائل تحقيق ذلك بصورة فيها الكثير من النضج.
لا أتحدث عن فيلم كامل الأوصاف، ولكن عن عمل طموح مبشر، يضاف إلى معالجته المميزة (اشتراك أحمد عامر مع المخرج فى كتابة السيناريو) منح أبطاله أدوارا جيدة، سواء كامل الباشا فى دور الأب، أو أحمد مالك فى دور الابن، وقد فاز عن دوره بجائزة أفضل ممثل فى مهرجان الجونة 2025، ولدينا أيضا أدوار مختلفة لكل من مايان السيد ودنيا ماهر، وعناصر تقنية مميزة مثل ديكور عاصم علي، الذى فاز عنه بجائزة فى مهرجان قرطاج 2025، ومن العناصر المميزة أيضا موسيقى ليال وطفة، وتصوير عمر أبو دومة.
لدينا أفلام كثيرة تعاملت مع هذه العلاقة الثرية بين الآباء والأبناء بتنويعاتها ودلالاتها الواقعية والرمزية، نذكر مثلا الدلالة الميتافيزيقية فى فيلم "الطريق" ، المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ الشهيرة، حيث تتحول فكرة البحث عن الأب الواقعى إلى رحلة للبحث عن الأب السماوي، ويمكن قراءة أفلام مثل "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية" باعتبارها رحلة تدريجية، صعبة ومعقدة، للتحرر من السلطة الأبوية، وفى فيلم مهم مثل "الأخوة الأعداء" نموذج للسلطة الأبوية الغاشمة وغير المسؤولة، والتى تنتهى بالبحث عن الأب السماوى أيضا، بينما نجد فى فيلم من أفضل الأفلام المصرية ، وهو "باحب السيما" تأليف هانى فوزى وإخراج أسامة فوزي، مرحلتين أجيد رسم معالمهما : فترة سطوة السلطة الأبوية، ثم تفككها بالتوازى مع هزيمة 67 وتنحّى عبد الناصر عن الحكم.
يمكن العودة كذلك إلى نماذج مسرحية شهيرة كثيرة لافتة فى فترة السبعينيات من القرن العشرين بالذات، وقد كتبت مقالا طويلا من قبل عن أعمال مثل "مدرسة المشاغبين" و"موسيكا فى الحى الشرقي" و"العيال كبرت" و" إنها حقا عائلة محترمة" باعتبارها سخرية صريحة من السلطة الأبوية، وتمردا واضحا على جيل الآباء، بعد أن اهتزت هذه السلطة عقب هزيمة 67 المروّعة.
الاتجاه الغالب كما نرى هو إدانة السلطة الأبوية، وتقديم الأب كمعادل للقهر والأوامر الغاشمة، وبالتالى تبدو السخرية، وصولا إلى التمرد الكامل ، مبررة بل وواجبة، ورغم أن الأبناء ليسوا ملائكة، فإنهم يصبحون مستحقين للتعاطف، لأنهم الطرف المقهور.
يوهمنا فيلم "كولونيا" أنه سيسير فى هذا الإتجاه، فيأخذ يومين فقط فى العلاقة بين الأب عمر (كامل الباشا)، وابنه فاروق (أحمد مالك)، يوم يموت فيه الأب فى أول أيام العيد، ويستعدون لجنازته، واليوم السابق مباشرة لهذه الوفاة، حيث نرى علاقته المتوترة مع ابنه فاروق، بعد أن عاد الأب من المستشفى، وكان نزيلا بها أثر غيبوبة استمرت ستة أشهر.
نستعد لتنويعة جديدة للتعاطف مع الابن، فى مواجهة أب يعامله بجفاء ولا يتوقف عن إدانته، وقبل أن نتأهب لهذا التنميط، نكتشف أن الابن طالب فاشل، ومدمن، وديلر يوزع المخدرات، وله علاقة مع فتاة ليست فوق مستوى الشبهات اسمها سارة ( مايان السيد)، بينما تبدو أسباب كراهية الابن للأب غامضة نوعا ما، وتتعلق بموقف الأب من أم فاروق، وسوء معاملتها، يضاف إلى أسباب توتر العلاقة مع فاروق، رغبة الأب فى استرداد محل يديره ابنه، ولا يحقق المحل أى نجاح تجاري.
هنا وضع معكوس تقريبا يجعل للأب منطقا قويا فى هذه المعالجة وذلك التأنيب الذى لا يتوقف، بل يمكن القول إن الأب هو الصواب والاستقامة، بينما الابن هو الخطأ والفشل، وسنعرف فيما بعد سرا أكثر غموضا عن الأم، يكاد يجعل الأب هو الضحية، ولكن قبل أن نعتقد أننا دخلنا إلى دائرة التبسيط والتنميط، سنجد الابن اللامنتمى أيضا فى منطقة رمادية مدهشة، سواء بمحبة مستترة للأب، أو فى رغبته الخفية المؤجلة باعتزال الإدمان وبيع المخدرات، أو فى كساد تجارة المحل دون أن يكون له سبب فى ذلك، أو فى حالة اغتراب وفوضى وآلام نفسية يعيشها منذ موت الأم وفشله الدراسي، ثم بعلاقة عاطفية يأمل عبثا أن تنقذه مع سارة، وعلاقة متوترة مع شقيقه الوحيد علي، والذى سيحاول بدوره أن يكون أبا شرسا بديلا بعد موت الأب الفعلى عمر.
هنا قوة واختلاف المعالجة الذكية، بأن تكون شخصية الأب والابن رمادية، وليست أبيض وأسود، ثم فى هذا التطوير الأهم للعلاقة، فالسيناريو ليس معنيا بالصواب والخطأ، أو الكمال والنقص، لأننا أمام طبيعة بشرية معقدة، وأمام ماض يتحكم فى الحاضر، ونواجه أيضا أسرارا عائلية مؤلمة، ولكن السيناريو مهتم جدا بفكرتين أساسيتين هما : التواصل والمواجهة، ونهايته لن تحل شيئا، ولن تجيب عن كل الأسئلة، ولكنها ستجعل الأب وابنه فى مساحة مشتركة لأول مرة، وإذا كانت سارة تردد كلمة "الاتصال" أو "communication" دون أن تفهم معناها، فإن السيناريو يحققها عمليا، ويجعلنا نفهم معناها.
إعجابى بلا حدود بهذه الزاوية الإنسانية الملتبسة، وإن أسرف الفيلم فى غموض الماضي، وإن كنا فى حاجة إلى أسباب أقوى لكراهية الابن العميقة، ولكن هذه المنطقة الرمادية فى رسم الشخصيات نادرة حقا فى الدراما المصرية، كما أن هناك مستوى غير منطوق بين الأب وابنه، وكأن عبارات التأنيب والسباب الأبوية تخفى محبة وحرصا على الابن، وكأن ردود الابن العنيفة تخفى احتياجا عارما لمساندة الأب، وإحساسا قويا بالضياع والفقد، ولذلك سيبكى الابن لأول مرة بعد أن يدرك أن والده قد مات، وكان موته بعد أول مرة تواصل فيها بالعمق معه، وبعد أن اكتشف والده من الداخل، وكان الفقد صباح يوم العيد.
تبدو الحكاية بهذا المعنى عن الجسر المطلوب بين عالمين، وعن شخصيتين تتألمان بنفس القدر، الأب بسبب وجع السرطان، والابن بسبب وجع الروح، وبالتالى نتعاطف مع الاثنين معا، بل ويبدو الأخ علي، الذى كان قريبا من والده، أبعد وأقل فهما لوالده من فاروق، والأهم من ذلك، نكتشف أن السلطة الحقيقية فى الحكاية هى سلطة الألم، وسطوة الماضي، وفشل التواصل، والنظرة الحدية للطبيعة البشرية، بينما هى، لو تأملنا، طبيعة رمادية ومراوغة حافلة بالأسرار.
لابد من الإشارة إلى اسم مهم هو أحمد عامر المشارك فى الكتابة، هذا الشاب أقرأ اسمه على عناوين أفلام كثيرة مختلفة، ومدهشة فى معالجاتها، وأعتقد أن دوره أساسى فى الكتابة، والحقيقة أن اختيار الإسكندرية، واختيار يومين ممطرين، وذلك الاستخدام البارع للضباب، وللمرايا، ولإطارت الأبواب التى تحاصر الأب وابنه فى شقتهما، وهذه الأجواء المغلقة التى يعيشها الابن، كل ذلك من العناصر الأساسية التى أجاد محمد صيام استخدامها ببراعة لوضعنا فى هذه التجربة مع بطليه، يضاف إلى ذلك الاختيارات الذكية، والموظفة دراميا، لحشد من الأغنيات المعبّرة، مع الإدارة الممتازة عموما للممثلين، بالذات فيما يتعلق بنظرات الأعين، واللغة غير المنطوقة بين الأب وابنه.
هناك تواصل حقيقى عبر تلك اللغة يسبق حتى لحظة التنوير فى النهاية، بل إن المشاهد الصامتة لكامل الباشا أفضل من المشاهد الحوارية، إذ تؤثر رغبته فى ضبط اللهجة المصرية دائما على أدائه التعبيرى المنطوق.
كان أداء أحمد مالك أيضا منضبطا، بدون مبالغات زائدة، وكان على مستوى الممثل الفلسطينى الكبير، يبدأ لقاء فاروق وعمر بتأفف الابن من رائحة الأب الكريهة، ثم يكتشف الابن رائحة ال كولونيا المميزة التى يحبها الأب، ويكتشف ما هو أهم : رائحة الماضي، ورائحة الألم، وأهمية أن تتواصل وتتفهم وتجد المساحة الرمادية المشتركة، وهذا هو معنى الرحلة كلها، التى اختزلت ببلاغة فى يومين فقط، بين موت وحياة، وبين الضحك والذكرى والبكاء.