قد يعتقد كثير من الآباء أن ابتلاع الأطفال لكميات صغيرة من بعض السوائل المنزلية أمر بسيط لا يستدعي القلق، لكن الواقع الطبي يكشف أن بعض هذه المواد قد يحمل مخاطر خطيرة قد تصل إلى فقدان البصر أو حتى الوفاة. وفي هذا السياق، يروي طبيب الطوارئ الدكتور كريم شرابي واقعة لطفلة صغيرة كادت تفقد بصرها بعد تناول كمية ضئيلة من معطر الجو، محذرًا من الاستهانة بأي حالة ابتلاع لمواد كيميائية داخل المنزل.
يقول طبيب الطوارئ، إن طفلة صغيرة وصلت إلى قسم الطوارئ تحملها والدتها وهي في حالة غير طبيعية، حيث كانت هادئة بشكل لافت. وأوضحت الأم للطبيب أن ابنتها شربت كمية بسيطة من بخاخ كان موضوعًا على الطاولة، مؤكدة أنها مجرد نقطة صغيرة من معطر الجو ولا تعتقد أنها قد تسبب ضررًا.
لكن، كما يوضح الطبيب، بعض أنواع التسمم لا تظهر أعراضها بشكل فوري.
وبعد ساعات قليلة بدأت الطفلة تعاني من عدة أعراض مقلقة، منها القيء المتكرر، والخمول الواضح، والتنفس السريع وغير الطبيعي. ثم قالت جملة زادت من قلق الأم بشكل كبير:
“ماما… أنا مش شايفة كويس”.
هنا بدأ الاشتباه في وجود تسمم خطير.
الميثانول .. الخطر غير المرئي
أظهرت الفحوصات أن المنتج الذي ابتلعته الطفلة يحتوي على مادة الميثانول، وهو أحد أخطر أنواع الكحول السامة. ويشرح الدكتور كريم شرابي أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في الميثانول نفسه، بل في تحوله داخل الكبد إلى مادة شديدة السمية تُعرف باسم حمض الفورميك، والتي قد تتسبب في أضرار جسيمة للجسم.
وقد يؤدي التسمم بهذه المادة إلى مضاعفات خطيرة، من بينها الحماض الأيضي الشديد، وتلف العصب البصري الذي قد يؤدي إلى فقدان البصر، إضافة إلى احتمال حدوث نزيف داخل المخ أو فشل كلوي حاد، وفي بعض الحالات الشديدة قد يصل الأمر إلى الوفاة.
سوائل منزلية قد تسبب التسمم
يشير الطبيب إلى أن خطر التسمم ب الميثانول قد يوجد في عدة منتجات منزلية شائعة، مثل ملمع الزجاج، ومنظفات السجاد، وبعض أنواع البادي ميست أو البادي سبلاش، ومزيلات المكياج وطلاء الأظافر، إضافة إلى معطرات الجو، ومنظفات الأجهزة الإلكترونية، وسوائل الفرامل أو مانع التجمد.
فحوصات ضرورية في حالات الابتلاع
في مثل هذه الحالات، يؤكد الأطباء ضرورة إجراء عدد من الفحوصات المهمة لتقييم الحالة، من بينها تحليل غازات الدم لاكتشاف الحماض الأيضي الشديد، والتصوير المقطعي للمخ في حال حدوث اضطراب في الوعي، إضافة إلى فحص قاع العين للبحث عن علامات تلف العصب البصري، وتحاليل وظائف الكلى لاكتشاف أي فشل كلوي محتمل.
وفي بعض الحالات المتقدمة قد يحتاج المريض إلى الغسيل الكلوي لإنقاذ حياته.
ملاحظة الحالة أمر أساسي
يوضح الدكتور كريم شرابي أن المشكلة تكمن في أن الحماض الأيضي قد لا يظهر في التحاليل الأولى، لذلك يجب إبقاء المريض تحت الملاحظة الطبية داخل المستشفى لمدة لا تقل عن 16 إلى 24 ساعة، مع إجراء تحاليل دورية كل عدة ساعات لمتابعة أي تغيرات قد تظهر لاحقًا.
النهاية السعيدة والتحذير الأهم
وبفضل سرعة التعامل مع الحالة، تم حجز الطفلة ومتابعتها بدقة حتى استقرت حالتها، ولحسن الحظ تم اكتشاف التسمم مبكرًا قبل حدوث تلف دائم في العصب البصري.
لكن الطبيب يؤكد في ختام حديثه أن قطرة واحدة من بعض السوائل الكيميائية قد تغير حياة طفل بالكامل، مشددًا على ضرورة إبعاد هذه المنتجات عن متناول الأطفال والتعامل بجدية مع أي حالة ابتلاع حتى وإن بدت الكمية صغيرة.