في الفترة الأخيرة، انتشرت مقاطع تحذيرية تصف اللبن البقري بأنه سم قاتل، مقابل الترويج لـ لبن الماعز أو الإبل باعتباره الخيار الصحي المثالي.
هذا الجدل أثار تساؤلات واسعة بين الناس، خاصة مع تضارب المعلومات بين التجارب الشخصية والحقائق العلمية.
في هذا التقرير، يوضح الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، الصورة الكاملة بعيدًا عن المبالغة.
يؤكد الدكتور أحمد أن اللبن البقري ليس غذاءً حديثًا، بل هو عنصر أساسي في تغذية البشر منذ آلاف السنين، خاصة في دول شمال أوروبا التي يصل فيها متوسط استهلاك الفرد إلى نحو 400 لتر سنويًا.
ورغم هذا الاستهلاك المرتفع، فإن أكثر من 80% من سكان هذه الدول قادرون على هضم اللبن دون مشكلات تُذكر، ما يجعلهم من أقل الشعوب معاناة من اضطرابات الهضم المرتبطة بالألبان.
حساسية الهضم
الجدل الدائر حول اللبن يرتبط بشكل أساسي بمكونين: بروتين الكازين وسكر اللاكتوز. ويوضح أبو الريش أن معظم أنواع اللبن البقري تحتوي على مزيج من نوعي الكازين A1 وA2، بينما يحتوي لبن الماعز والإبل غالبًا على النوع A2 فقط.
اختلاف البروتين
عند هضم الكازين من النوع A1، قد يتكوّن مركب يُعرف باسم BCM-7، وهو ما يربطه بعض الباحثين بحدوث اضطرابات هضمية مثل الانتفاخ لدى فئة محدودة من الأشخاص. لكن الدكتور أبو الريش يشدد على أن الأدلة العلمية حتى الآن غير حاسمة، ولا توجد دراسات قوية تؤكد أن اللبن البقري مضر لمعظم الناس بسبب هذا النوع من البروتين.
بدائل اللبن
أما عن لبن الماعز أو الإبل، فيوضح أن لهما بالفعل قيمة غذائية جيدة، وقد يكونان أسهل في الهضم لدى بعض الأشخاص بسبب اختلاف تركيب الدهون والبروتين. لكن وصفهما بـ”السحر الغذائي” أو اعتبارهما مناسبين للجميع هو أمر مبالغ فيه، لأن استجابة الجسم تختلف من شخص لآخر.
حجم الدهون
يشير أبو الريش إلى أن أحد الفروق بين أنواع الألبان يتعلق بحجم جزيئات الدهون؛ ففي اللبن البقري تكون أكبر نسبيًا (من 3 إلى 5 ميكرومتر)، بينما تكون أصغر في لبن الماعز (من 1 إلى 3 ميكرومتر)، وهو ما قد يساعد قليلًا في سهولة الهضم، لكنه ليس العامل الحاسم في تقبل الجسم للبن.
تغذية الأطفال
ويحذر من الاعتماد على لبن الماعز لتغذية الرضع، نظرًا لانخفاض محتواه من حمض الفوليك، ما قد يؤدي إلى الإصابة بالأنيميا إذا استُخدم كبديل للبن الأم. في المقابل، يحتوي اللبن البقري على نسبة أعلى من هذا العنصر، ما يجعله أفضل نسبيًا من هذه الناحية في تغذية الأطفال.
توازن غذائي
ويؤكد أن فكرة تفوق نوع معين من اللبن بشكل مطلق غير دقيقة علميًا، إذ يمتلك كل نوع مميزاته وعيوبه، ولا يوجد ما يُعرف بـ”اللبن الكامل غذائيًا” الذي يناسب الجميع بنفس الكفاءة.
يختتم الدكتور أحمد حديثه بالتأكيد على أن اللبن البقري ليس سمًا، وأن الغالبية العظمى من الناس يمكنهم تناوله بأمان. أما المشكلات التي قد تظهر، فهي غالبًا مرتبطة بحساسية اللاكتوز أو ببعض اضطرابات الهضم الفردية، وليس بسبب خطورة عامة في اللبن نفسه. كما يشدد على أهمية التفرقة بين التجارب الشخصية المحدودة والنتائج العلمية المبنية على دراسات واسعة، والتي تثبت أن اللبن البقري آمن لمعظم الناس.