تتبنى سلطنة عُمان استراتيجية شاملة ترتكز على التوازن والتنوع، مستهدفةً تحولاً اقتصادياً جذرياً عبر رؤية " عُمان 2040" للحد من الاعتماد على النفط. ترتكز الاستراتيجية على التنويع في قطاعات السياحة، اللوجستيات، الهيدروجين الأخضر، والصناعة، مع تعزيز الحياد السياسي والتكامل الإقليمي، تحقيقاً لتنمية مستدامة وشراكات دولية متوازنة.
تمكن أهمية هذه الرؤية "التوازن والتنوع"، في كونها ليست داعمة فقط لإقتصادها ولتنويع مصادر دخلها القومي، وإنما داعمة أيضاً للنظام التجاري متعدد الأطراف، الذي تقوده منظمة التجارة العالمية (WTO)، لكونه الدعامة الأساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي، حيث يضمن تعزيز النمو الاقتصادي، توفير فرص العمل، وتحقيق التنمية المستدامة من خلال قواعد تجارية شفافة، غير تمييزية، ومنصفة بين الدول. كما يساهم في حل النزاعات التجارية، وتحرير التجارة، وتعزيز اندماج الدول النامية في الاقتصاد العالمي.
ومن هنا جاءت مشاركة سلطنة عُمان في أعمال المؤتمر الوزاري لمنظَّمة التجارة العالميَّة لِتعكسَ إدراكًا عميقًا لطبيعة التحوُّلات الاقتصادية التي يشهدها العالم، والتي تتشابك عَبْرَها المصالح وتتحرك من خلالها سلاسل الإمداد وتُعاد صياغة موازين القوَّة بَيْنَ الدول، وتعكس حركة التجارة قدرة الاقتصادات على التكيُّف مع التحوُّلات.
إذ تتحرك السَّلطنة وفْقَ رؤية تَقُوم على التفاعل الواعي مع المتغيِّرات بدل الاكتفاء بالمراقبة، وتؤكِّد من خلال مواقفها على التَّمسُّك بالنظام التجاري متعدِّد الأطراف؛ بوصفه الإطار الأكثر قدرة على تحقيق قدرٍ من التوازن في بيئة دوليَّة تتَّسم بالتقلُّب. كما يظهر هذا التوَجُّه في دعمها لمبادئ الشفافيَّة والانفتاح والإنصاف، إلى جانب حرصها على الدَّفع نَحْوَ نتائج تُراعي أولويَّات الدول النَّامية، وهو ما يعكس تموضعًا استراتيجيًّا يوازن بَيْنَ حماية المصالح الوطنيَّة والانخراط الإيجابي في الاقتصاد العالمي، ويُعزِّز في الوقت ذاته حضور عُمان كدولة تسعى للمساهمة في صياغة قواعد اللُّعبة الاقتصاديَّة لا مجرَّد الالتزام بها.
ولعلَّ أبرز ما كشفته الملفَّات الَّتي ركَّز عليها المؤتمر، مثل التجارة الإلكترونيَّة والزراعة ودعم مصائد الأسماك، هو التحوُّل العميق في طبيعة الاقتصاد العالمي، حيثُ تتَّجه مراكز الثقل نَحْوَ القِطاعات القائمة على المعرفة والاستدامة.
ومن هنا تنبع أهميَّة النظام التجاري متعدِّد الأطراف، الَّذي يسعى إلى ضبط التداخل عَبْرَ قواعد تحكم العلاقات الاقتصاديَّة وتمنح الدول مساحة للتحرك ضِمن إطار أكثر توازنًا، وهو ما يجعل فَهْمَ هذه المنظومة والتفاعل معها بوعي شرطًا أساسًا لأيِّ اقتصاد يسعى لترسيخ موقعه في خريطة الاقتصاد العالمي.
ويُعدّ المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية أعلى هيئة لصنع القرار في المنظمة، ويُعقد مرة كل عامين على الأقل، حيث يناقش القضايا المرتبطة بالاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف، ويعكس مستوى الالتزام السياسي للدول الأعضاء واستمرارية العمل المؤسسي.
ويظهر في هذا السياق انضمام سلطنة عُمان إلى اتفاقيَّة دعم مصائد الأسماك كخطوة تعكس وعيًا متقدِّمًا بأهميَّة حماية الموارد الطبيعيَّة وربطها بالاقتصاد المستدام، بما يُعزِّز من موقعها في سلاسل القِيمة المرتبطة بالاقتصاد الأزرق. كما يعكس التوَجُّه أيضًا قراءة استراتيجيَّة أعمق لمستقبل التجارة تَقُوم على تنويع مصادر الدخل وتوسيع القاعدة الإنتاجيَّة، بما يتَّسق مع مستهدفات رؤية « عُمان 2040» الَّتي تضع الابتكار والاستدامة في صميم التحول الاقتصادي، لِيصبحَ الحضور العُماني في هذه الملفَّات تعبيرًا عن رؤية تستثمر في المستقبل بقدر ما تتعامل مع معطيات الحاضر.
إنَّ هذا التوَجُّه العُماني لا يكتمل دُونَ البُعد العملي الَّذي تعكسه اللقاءات الثنائيَّة الَّتي عقَدَها الوفد العُماني على هامش المؤتمر، حيثُ تتحول المشاركة الدوليَّة إلى منصَّة لبناء شراكات اقتصاديَّة وتوسيع آفاق التعاون التجاري والاستثماري، بما يدعم توَجُّه السَّلطنة نَحْوَ تعظيم الاستفادة من حضورها في المنظَّمات الدوليَّة.
كما يتكامل هذا المسار مع دعم سلطنة عُمان لجهود إصلاح منظَّمة التجارة العالميَّة، بما يُعزِّز من كفاءة آليَّاتها وقدرتها على مواكبة التحدِّيات الَّتي يشهدها الاقتصاد العالمي. ويؤكِّد هذا النَّهج أنَّ السَّلطنة تتحرك وفْقَ رؤية متكاملة تَقُوم على الانفتاح والتوازن واستثمار العلاقات الدوليَّة اقتصاديًّا، بما يرسِّخ موقعها كلاعب قادر على التفاعل بمرونة داخل نظام عالمي معقَّد، وصياغة دَوْرها بما يُحقِّق مصالحها ويُعزِّز حضورها في خريطة الاقتصاد الدولي، وذلك لصناعة مستقبل يشمل الجميع، ويتَّجه بالعلاقات نَحْوَ التعاون البنَّاء، بدلًا من التَّناحر الحالي.
ويرتبط بما سبق الركائز التي وضعتها عُمان ليس فقط في التوازن مع المؤسسات الدولية وإنما التوازن مع تنويع الشركاء التجاريين وعدم الاعتماد على مصدر واحد من دولة واحدة. كما أنَّ الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار يجعل السياسات الاقتصاديَّة أكثر قدرة ومرونة على التكيُّف باتِّخاذ أساليب تلائم الحدث مثل العمل عن بُعد، وبثّ وتشجيع النشاط في التجارة الإلكترونيَّة.
هذه العوامل ـ إضافة إلى عامل الاستقرار السياسي مع القوانين الجاذبة للاستثمار ولو خلال أوقات الأزمات ـ ساعدت في ضخِّ عملات أجنبيَّة أكثر وتساعد على توفير فرص للعمل أكثر، مع توافر شبكات الضَّمان الاجتماعي مثل الدَّعم الحكومي والتأمين ضدَّ البطالة، وهذه الأمور تحافظ على دَوران الاقتصاد، فهو لا يصمد بالصدفة، بل عَبْرَ التخطيط المسبق عن طريق (تنويع، احتياطات، سياسات ذكيَّة، وإدارة أزمات فعَّالة).
وبتطبيق هذه العوامل على الاقتصاد في سلطنة عُمان، نجد أنَّ كُلَّ هذه الاحترازات والترتيبات موجودة مسبقًا بالفعل بفضل الرؤية الاقتصاديَّة الحديثة الَّتي تتبعها السَّلطنة من تنويع الاقتصاد منذ أطلقت خطَّة رؤية " عُمان 2040" لتقليلِ الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل.
واتَّخذتْ ـ في سبيل ذلك ـ العديد من الإجراءات الناجحة إلى جانب عنصر الأمن الَّذي تبحث عنه روافد الاقتصاد، فإنَّ السلطنة قامتْ بتسهيل القوانين لجذب المستثمرين والشركات الأجنبيَّة، وإنشاء مناطق اقتصاديَّة خاصَّة داعمة للاقتصاد لخلقِ وظائف وزيادة النشاط الاقتصادي، بالإضافة إلى التركيز على قِطاعات السياحة، اللوجستيَّات (الموانئ والنقل)، التعدين، الصناعات التحويليَّة، ممَّا يساعد على الصمود إذا انخفضتْ أسعار النفط، بالإضافة إلى حُسن إدارة الموارد الماليَّة في العمل على تقليل العجز المالي بضبط الإنفاق الحكومي، وتحسين الإيرادات غير النفطيَّة (الضرائب والرسوم) بالإضافة إلى الدَّوْر الكبير الَّذي يَقُوم به البنك المركزي العُماني في الحفاظ على استقرار العملة والنظام المالي.
كما وأنَّ الاقتصاد العُماني يُعزِّزه الاستثمار الدَّائم في البنية الأساسيَّة وتطويرها كما يحدُث في الموانئ، إذ تُعَدُّ سلطنة عُمان مركزًا لوجستيًّا عالميًّا بفضل موانئها الاستراتيجيَّة الَّتي تربط الشرق بالغرب، وأهمُّها ميناء صحار (العملاق الصناعي)، ميناء صلالة (محور الحاويات الدّولي)، وميناء الدُّقم (الواعد في التكرير والصناعات)، إضافة إلى ميناء السُّلطان قابوس السياحي وميناء خصب لتنشيط التبادل التجاري عَبْرَ الخليج، ساعد ذلك بتمتُّع سلطنة عُمان بشبكة طُرق حديثة تصنَّف ضِمن الأفضل عالميًّا، كُلُّ هذه العوامل كانت رافدًا مُهمًّا لتنوُّع الاقتصاد يجعل سلطنة عُمان مركزًا لوجستيًّا مهمًّا في المنطقة.
كما شهد الإنتاج المحلِّي تطوُّرًا ملحوظًا، خصوصًا في الأمن الغذائي، الزراعة، والصيد البحري، بعد أن تمَّ وضع السياسات الاقتصاديَّة الَّتي أسْهمَتْ في تنمية هذه القِطاعات، فكانت مصدرًا مُهمًّا للدَّخل القومي من جهة، ومن جهة أخرى قلَّلتْ من الاعتماد على الاستيراد في أوقات الأزمات العالميَّة والمحافظة على العملة الصَّعبة. ممَّا جعل سلطنة عُمان نموذجًا جيِّدًا في الاعتماد على التنوُّع الاقتصادي بمرونة أكثر، بدلًا من اقتصاد يعتمد على مورد واحد.
إجمالاً يمكن القول أن النظرة العُمانية للاقتصاد نظرة متكاملة تجمع بين التوازن والتنوع في الداخل، وأيضاً في الخارج باعتباره الضامن الأساسي لتحقيق التنمية المستدامة من خلال قواعد تجارية شفافة، غير تمييزية، ومنصفة بين الدول.