«إيجي بست» .. تشريح جيل الإنترنت

«إيجي بست» .. تشريح جيل الإنترنتمحمود عبد الشكور

الرأى12-4-2026 | 13:58

سعادتى بفيلم « إيجى بست »، الذى كتبه أحمد حسني ، وأخرجه مروان عبد العزيز، كبيرة ومتعددة المستويات، فقد جاء العمل ناضجا إلى حد كبير ، لا يكتفى بمجرد الحبكة المتقنة المستلهمة من وقائع حدثت بالفعل عن تأسيس وانتشار وسقوط أكبر موقع مصرى لقرصنة الأفلام، ولكنه طوّر فكرته إلى ما هو أعمق، بحيث يمكن أن نعتبر الفيلم تشريحا لجيل أبطال الحكاية الثلاثة ، وظروفهم وأحوالهم، جيل الإنترنت والسرعة و«التيك أواي»، مع ظروف الفقر والبحث عن عمل ومكانة ومعنى وأسرة، وبالتالى فإن موقع « إيجى بست »، الذى يحمل الفيلم اسمه، ليس فى الحقيقة سوى المدخل لما هو أهم وأشمل.

لا يكتفى سيناريو أحمد حسني بذلك، وهذا الفيلم فى رأيى أفضل أعماله حتى الآن، ولكنه يفعل ما هو أجمل، فبدلا من الإدانة السهلة لشخصياته، فإنه يقدمها بصورة إنسانية ورمادية، لا يبرر ما فعلوه، ولكنه يفسر تصرفاتهم، ويرسم ملامح علاقاتهم وصداقتهم بدقة، ويصنع أيضا ما هو أخطر بالتأكيد على أن الظروف التى أفرزت هذا المكسب السهل من خلال قرصنة الأفلام، ستفرز أبطالا آخرين يطلعون من قلب الفقر والحاجة، وسط ثنائية عجيبة هى : سماوات مفتوحة باتساع العالم، وعالم ضيق محلي، بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

على مستوى آخر، سعدت جدا لأن الفيلم حافل بالمواهب الحقيقية الجديدة، فالمخرج مروان عبد العزيز جيد جدا فى أول أفلامه، ومروان بابلو، مغنى الراب الشهير، يمثل لأول مرة دورا أساسيا هو شخصية صابر، ويقدم أداء أحترافيا مدهشا، والمنتج المنفذ للفيلم، ولأول مرة، هو الممثل الرائع عصام عمر ، رغم أنه ليس من ممثلى الفيلم، مما يستلزم توجيه تحية خاصة لعصام، بسبب حماسه لسيناريو ممتاز، ولدعم زملائه من الممثلين الموهوبين أبطال الفيلم: أحمد مالك و سلمى أبو ضيف وبابلو وميشيل ميلاد ومحمد عبده ..الخ.

التجربة تثير البهجة كذلك لأن الفيلم فيه عناصر تقنية مميزا جدا مثل : تصوير عمر البرماوي ، ومونتاج كمال الملاخ ، وموسيقى أحمد الجابري ، وملابس مونيا فتح الباب، وديكور وإشراف فنى باسل حسام، واكتملت السعادة لأن الفيلم حقق إيرادات جيدة جدا فى موسم عيد الفطر ، ووصل إلى جمهوره، بمستواه الفنى الممتاز، وأعتقد أن جمهور الشباب بالذات قد وجد فى الحكاية انعكاسا لحياة قطاعات واسعة منه، ووجد أيضا أسئلة مهمة تشغله تتعلق بالمستقبل، والوظيفة، والدور، والمكانة، والمكسب السهل والسريع.

تتأسس دراما الفيلم على ثلاث شخصيات تنتمى إلى حى الأميرية الشعبي، رسمت ملامح شخصياتهم وعلاقتهم المعقدة بشكل بارع، الثلاثة من أصدقاء الطفولة وهم :محمد (أحمد مالك) وهو طالب فقير فقد والديه صغيرا، ويعيش مع جدته العجوز (حنان يوسف)، ويرتزق من بيع أسئلة الامتحانات لزملائه، وحبيبته الفقيرة أيضا أنوار ( سلمى أبو ضيف )، التى تعمل فى محل خالها، وهى مترددة جدا فى مواصلة الارتباط مع محمد البائس مثلها، والثالث هو صابر (مروان بابلو)، الذى يعمل فى محل سايبر، وعلاقته متوترة مع والده، وهو صديق مخلص جدا لمحمد، أما علاقته مع أنوار فهى متوترة وغامضة وملتبسة.

تعاصر هذه الشخصيات ثورة هائلة هى الإنترنت، والسماوات التى انفتحت فجأة على العالم كله، واكتشاف محمد أنه يمكنه أن يقوم بتصوير فيلم سينمائى عجز عن شراء تذكرته لكى تشاهده حبيبته فى البيت، وتتطور فكرته بالاتفاق مع صابر الى تصوير أفلام كثيرة وبثها على موقع مجانى يحمل اسم "إيجى بست"، والحصول على أرباح من الإعلانات، بسبب دخول الالاف من أجل مشاهدة أفلام جديدة، لا يستطيعون شراء تذاكرها.

ينتقل السيناريو بسلاسة واحتراف من لحظة إلى أخرى وفى اتجاهين متكاملين: تعقد العلاقة بين الأصدقاء، وانتقالها من مرحلة المحبة غير المشروطة إلى البيزنس والمصلحة بين الخطر والأمان، وخاصة بعد أن انتقلت أنوار للعمل فى شركة إيجى بست كمحاسبة، والاتجاه الثانى هو تعقد اللعبة نفسها، من مرحلة الهواية، إلى اللعب مع الكبار، وتظهر هنا شخصيات كثيرة أجيد أيضا رسم ملامحها، مثل نواوى (ميشيل ميلاد) خبير الكمبيوتر لتأمين الموقع، وعلام البنهاوى مدرس اللغة الإنجليزية الصعيدى (محمد عبده)، مترجم أفلام الموقع، وضيف الشرف أحمد فهمى الذى يلعب دور المنتج السينمائى هشام الذى يتورط معه صابر فى صفقة فاشلة، وأخيرا بربرى رجل الأعمال (أحمد الرافعي)، الذى يقوم بغسيل أموال الموقع، ثم يتشارك مع الأصدقاء الثلاثة.

بدون لحظة ملل واحدة، وبإيقاع سريع لاهث يشبه حياة هذا الجيل، ودون تجاوز اللحظات الدرامية القوية مثل مواجهة صابر مع أنوار، وأكثر من مواجهة بين محمد وصابر، والخط الرقيق والمؤثر لعلاقة محمد وجدته العجوز، يصنع الفيلم صراعا نموذجيا مستمرا لا يتوقف، سواء داخل الشخصيات، أو خارجها، ويربط بذكاء بين ظروف الشخصيات وصعودها، وبين ثورة التكنولوجيا وعالمها الواسع، بشر من لحم ودم يتفاعلون ويحبون ويكرهون، ويواجهون اختبارات صعبة، بين ارتفاع سقف التطلعات، وانخفاض سقف المعيشة، ودون أن تفلت القيمة الوحيدة التى يحاولون التمسك بها وهى قيمة الصداقة.

هذه دراما ناضجة للغاية فى دراستها للبيئة والشخصيات على مستويات مختلفة، وعلى مستوى صناعة حبكة مشوقة للغاية، وأيضا على مستوى مراوحة بميزان حساس بين مشاهد مرحة وساخرة، ومشاهد أخرى جادة ومؤثرة ومؤلمة أيضا، وصولا إلى نهاية ذكية ولامعة، فليست الحكاية فقط عن قضية إيجى بست، ولكنها عن مأزق الجيل كله، وقضية الظروف التى صنعت وستصنع المئات مثل مؤسسى موقع إيجى بست.

من السهل أن تدين وتعاقب، ولكن من الصعب أن تدرس وتعالج وتحل مشكلة هذا الخلل بين الطموح والقدرة، وبين الحلم والواقع، وبين الممكن والمطلوب، هذا هو معنى النهاية المدهشة لفيلم أعتبره من أفضل وأنضج وأذكى التجارب الشبابية السينمائية المصرية خلال السنوات القليلة الماضية.

لم يتعامل الفيلم مع إغلاق موقع إيجى بست كنهاية، ولكن كبداية لتشريح ظروف جيل الإنترنت، وطرح طوفان من الأسئلة عن شباب معلّق فى الفراغ، وعن العلاقة بالأسرة، وعن الصداقة كوطن بديل، وعن المكاسب السهلة، وصعوبة تكوين عائلة، وعن أحلام الثراء السريع، بل وحتى أسئلة عن ارتفاع تذاكر السينما، الذى جعلت الجمهور يلجأ إلى المشاهدة المجانية للأفلام المقرصنة.

أصبحنا أمام دراما اجتماعية مهمة رغم هذا الطابع السريع، وتلك الأغنيات التى قدمت على موجة الجيل نفسه، ولذلك أقول إن "إيجى بست" فيلم هام ومعتبر، وليس فقط مجرد فيلم محكم الصنع والحبكة.

كاستنج الفيلم ممتاز: أحمد مالك مميز دائما، وإن كانت الملاحظة دائما فى أنه اصطنع "كليشيها واحدا" لطريقة نطق أبناء المناطق الشعبية، ولم يكن فى حاجة إلى ذلك، مروان بابلو مثلا يتكلم بشكل طبيعى رغم أنه من نفس المنطقة، ومروان مكسب كبير للدراما إذا استمر كممثل، أما سلمى أبو ضيف فهى تثبت دوما أنها جديرة بمكانتها كأفضل ممثلات جيلها.

الفيلم يتميز أيضا بأداء ممتاز للأدوار المساعدة من ميشيل ميلاد إلى الطفل يوسف البدرى فى شخصية من أظرف وأغرب ما شاهدت، ومن البارع أحمد الرافعى فى دور مميز ملأه حضورا وأداء، والعظيمة حنان يوسف فى مشاهد قليلة لكن مؤثرة، والمدهش محمد عبده، الذى أطلق الضحكات وسط هذه المغامرة الخطرة والمؤلمة.

أرجوكم امنحوا شباب السينما الموهوب الفرصة، امنحوهم الحرية والدعم لتحقيق أفلامهم وأحلامهم، سيغير هؤلاء شكل أفلامنا البائسة الى الأفضل والأكثر جرأة ونضجا وإبداعا، وتجربة فيلم «إيجى بست»، مثل تجربة «فيلم ثقافى» و"أوقات فراغ" و"الحريفة"، دليل جديد على كل ذلك.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان